
مشاهد من تاريخ الإمام السجّاد عليه السلام والشيعة في زمانه
أهم محتويات المقالة: - الظروف السياسيّة والثقافيّة في عصر الإمام زين العابدين والطريق الذي اختاره خلالها؛ - جرائم الحجّاج وعبد الملك ضدّ الشيعة؛ - جوانب من سيرة مروان بن عبد الملك وأضرابه وكونه في باديء أمره من أهل الزهد والعباد؛ - بيعة الإمام السجّاد عليه السلام ليزيد بن معاوية وضرورة ذكر الحقائق التاريخيّة.
مشاهد من تاريخ الإمام السجّاد عليه السلام والشيعة في زمانه
4وكانت الكوفة مغرس دوحة التشيّع، فحاول عبدالملك أن يجتثّها من على الأرض. وأيّ ساعد أقوى من ساعد الحجّاج، وهو صاحب ذلك القلب القاسي الذي لا يعرف الرقّة واللين؟! وأيّ رجل أبيع لدينه بالثمن الأوكس -لو كان عنده شيء من الدين- من الحجّاج؟! وإن فعله بالبيت الحرام ليسلّم قصر المُلك لعبدالملك أخسر صفقةً.
وهنا يخبرنا الباقر عليه السلام عن عيان ومشاهدة عمّا كان من الحجّاج مع الشيعة، كما يحكيه شارح «نهج البلاغة» ج ٣، ص ۱٥: يقول عليه السلام:
ثُمَّ جَاءَ الحَجَّاجُ فَقَتَلَهُمْ -يَعْنِي الشِّيعَةَ- كُلَّ قَتْلَةٍ، وأخَذَهُمْ بِكُلِّ ظِنَّةٍ وتُهْمَةٍ، حتى أنَّ الرَّجُلَ لَيُقَالُ لَهُ زِنْدِيقٌ أوْ كَافِرٌ أحَبُّ إلَيْهِ مِنْ أنْ يُقَالَ لَهُ: شِيعَةُ عَلِيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
ويقول المدائنيّ كما في «الشرح» ج ٣، ص ۱٥: وولى عبدالملك بن مروان فاشتدّ على الشيعة، وولّى عليهم الحجّاج بن يوسف، فتقرّب الناس إليه ببغض عليّ عليه السلام، وموالاة أعدائه، وموالاة من يدّعي قوم من الناس أنّهم أيضاً أعداؤه.
فَأكْثَرُوا في الرِّوايَةِ في فَضْلِهِمْ وسَوَابِقِهِمْ ومَنَاقِبِهِمْ، وأكْثَرُوا مِنَ الغَضِّ عَنْ عَلِيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَعَيْبِهِ والطَّعْنِ فِيهِ والشَّنَآنِ لَهُ.
وماذا يذكر الكاتب عن الحجّاج وأعماله؟! فلقد سوّد صحائف من التأريخ لا تُنسى عمر الدهر. ونربأ بأقلامنا عن ذكرها. وكيف ننشر تلك الفضائح على صحائف بيض تريد الفضيلة بما ترويه وتسطّره؟!
ولو كانت أعماله القاسية مجهولة ولو لبعض الناس لآثرنا للفضيلة استطراء شطر منها رجاء أن ينتهجها من له إمرة وسلطان عندما يعرف: أنَّ المَرْءَ حَدِيثٌ بَعْدَهُ، وأنَّ التَّأرِيخَ يَحْفَظُ عَلَيْهِ الجَمِيلَ والقَبِيحَ. ولكنّ الناس كلّهم يعلمون ما ارتكبه ذلك الفظّ الغليظ من الكعبة، وممّن اتّخذ الكعبة قبلةً دون أن يميّز بين شيعيّ، أو سنّيّ، أو حروريّ، وبين حجازيّ، أو عراقيّ، أو تهاميّ.۱
جوانب من سيرة مروان بن عبد الملك وأضرابه وكونه في باديء أمره من أهل الزهد والعباد
من الجدير ذكره أنّ كثيراً من سلاطين الجور وأمرائهم كانوا في درجة الكمال من حيث الزهد والعبادة والعلم بالقرآن والسنّة والفصاحة والبلاغة، بَيدَ أنّ عدم وصول روح اليقين إلى سويداء قلوبهم جعلهم أسرى الغرور وشهوة الرئاسة، فتجاهروا بارتكاب المحرّمات الشرعيّة والجرائم والانتهاكات التي لا يمكن حملها إلّا على حبّ الجاه والرئاسة وكان السلاطين الأوَل من هذا الضرب. وكذلك كان عبدالله بن الزبير، والمأمون العبّاسيّ، وعبدالملك بن مروان، والحجّاج بن يوسف الثقفيّ. وكان الحجّاج من نوادر عصره في الفصاحة والبلاغة وإلقاء الخطب الصحيحة الخالية من اللحن. كما كان حافظاً للقرآن. وكان يأمر بقتل الأبرياء على أساس الاستدلال بالآيات القرآنيّة. ووطّد عرش الاستبداد والظلم لعبد الملك بن مروان بالشام مستنداً إلى آية (أولي الأمر). وكان عبد الملك قبل تقلّده الأمر حليف المسجد النبويّ والصوم والصلاة والقرآن والعلم وبيان السنّة حتى عدّه البعض أحد فقهاء المدينة. وبهذه الهيئة الجميلة التي تهواها الأفئدة دخل سلك الحكومة الجائرة.
- [معرفة الإمام، ج۱٦، ص: ص: ۱٤۱ ـ ۱٥٣ نقلًا عن] «تاريخ الشيعة» للمظفّر، ص ٣۱ إلى ٤۱.
