
شهادة أمير المؤمنين عليه السلام
أهم محتويات المقالة: - حالات أمير المؤمنين في آخر أيامه؛ - أمير المؤمنين عليه السلام هو ذو قرني الاُمّة؛ - أُنس أمير المؤمنين بالموت؛ - خطبة أمير المؤمنين في مسجد الكوفة في الاُسبوع الذي استُشهد فيه؛ - رؤيا أمير المؤمنين لرسول الله ليلة التاسع عشر وشكواه له من أُمّته.
شهادة أمير المؤمنين عليه السلام
7وقد صادفت شهادة أمير المؤمنين علیه السلام في شهر رمضان لسنة أربعين للهجرة، وكان علیه السلام قد أحيا ليلة التاسع عشر من الشهر إلی الصباح شكراً لله علی الفتح الذي منّ به علی المسلمين يوم السابع عشر من شهر رمضان للسنة الثانيّة من الهجرة، وكان قد أبقى أهل بيته أيقاظاً لإحياء تلك الليلة.
ورد في نهج البلاغة: وَقَالَ علیهِ السَّلاَمُ فِي سُحْرَةِ۱ الْيَومِ الَّذِي ضُرِبَ فِيهِ:
مَلَكَتْنِي عَيْنَايَ وَأَنَا جَالِسٌ فَسَنَحَ لِي رَسُولُ اللَهِ صَلَّى اللَهُ علیهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَهِ! مَاذَا لَقِيتُ مِنْ أُمَّتِكَ مِنْ الاْوْدِ وَاللَّدَدِ!
فَقَالَ: ادْعُ علیهِمْ، فَقُلْتُ: أَبْدَلَنِي اللَهُ بِهِمْ خَيْراً مِنْهُمْ وَأَبْدَلَهُمْ بِي شَرَّاً لَهُمْ مِنِّي.٢
ويروي ابن أبي الحديد المعتزليّ في «شرح نهج البلاغة» عن أبي الفرج الإصفهانيّ، عن محمّد بن جرير الطبريّ بإسناده المذكور في كتابه عن عبد الرحمن السلميّ:
قَالَ: قَالَ لِي الْحَسَنُ بْنُ علي علیهِ السَّلاَمُ: خَرَجْتُ وَأَبِي يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ لِي: يَا بُنَيَّ إِنِّي بِتُّ الَّليْلَةَ أَوقِظُ أَهْلِي لأنـَّهَا لَيْلَةُ الْجُمْعَةِ صَبِيحَةُ يَوْمِ بَدْرٍ، لِتِسْعِ عَشْرَةَ لَيْلَة خَلَتْ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَمَلَكَتْنِي عَيْنَايَ فَسَنَحَ لِي رَسُولُ اللَهِ صَلَّى اللَهُ علیهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَهِ! مَاذَا لَقِيتُ مِنْ أُمَّتِكَ مِنَ الاْوْدِ وَالَّلدَدِ! فَقَالَ لِي: ادْعُ علیهِمْ فَقُلْتُ: اللَهُمَّ أَبْدِلْنِي بِهِمْ خَيْراً مِنْهُمْ وَأَبْدِلْهُمْ بِي مَنْ هُوَ شَرُّ مِنِّي. قَالَ الْحَسَنُ: وَجَاءَ ابْنُ أَبِي السَّاجِ٣ فَآذَنَهُ بِالصَّلاَةِ فَخَرَجَ فَخَرَجْتُ خَلْفَهُ، فَاعْتَوَرَهُ الرَّجُلاَنِ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَوَقَعَتْ ضَرْبَتُهُ فِي الطَّاقِ، وَأَمَّا الآخَرُ فَأَثْبَتَهَا فِي رَأْسِهِ.٤
وكان ينادي في تلك الحال: فُزْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، فقد كانت الشهادة فوزاً لديه علیه السلام، والقتل في سبيل الله سعادة ونعيماً وجنّة.٥
ومن هذه الأخبار خبر رواه عن «كنز جامع الفوائد» عن أبي طاهر المقلّدبن غالب، عن رجاله بإسناده المتّصل إلی عليّ بن أبي طالب عليه السلام وهو ساجد يبكي حتّي علا نحيبه وارتفع صوته بالبكاء. فقلنا: يا أمير المؤمنين! لقد أمرضنا بكاؤك وأمضّنا وأشجانا، وما رأيناك قد فعلت مثل هذا الفعل قطّ فقال عليه السلام:كُنْتُ سَاجِداً أَدْعُو رَبِّي بِدُعَاءِ الخَيْرَاتِ فِي سَجْدَتِي فَغَلَبْتَنِي عَيْنِي، فَرَأَيْتُ رُؤْياً هَالَتْنِي وَقَطَعْتَنِي: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَهِ صَلَّي اللَهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ قَائِماً وَهُوَ يَقُولُ: يَا أَبَا الحَسَنِ! طَالَتْ غَيْبَتُكَ فَقَدِ اشْتَقْتُ إلی رُؤْيَاكَ، وَقَدْ أَنْجَزَ لِي رَبِّي مَا وَعَدَنِي فِيكَ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَهِ! وَمَا الَّذِي أَنْجَزَ لَكَ فِيَّ؟ قَالَ: أَنْجَزَ لِي فِيكَ وَفِي زَوْجَتِكَ وَابْنَيكَ وَذُرِّيَّتِكَ فِي الدَّرَجَاتِ العُلَي فِي عِلِّيِّينَ! قُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَهِ فَشِيعَتُنَا؟ قَالَ: شِيعَتُنَا مَعَنَا، وَقُصُورُهُمْ بِحِذَاءِ قُصُورِنَا، وَمَنَازِلُهُمْ مُقَابِلُ مَنَازِلِنَا. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَهِ! فَمَا لِشِيعَتِنَا فِي الدُّنْيَا؟ قَالَ: الاَمْنُ وَالعَافِيَةُ. (أَي: الامن مِن إغواء الشيطان والعافية عن هلاك الدين والإيمان) قُلْتُ: فَمَا لَهُمْ عِنْدَ المَوْتِ؟ قَالَ: يُحَكَّمُ الرَّجُلُ فِي نَفْسِهِ وَيُؤْمَرُ مَلَكُ المَوْتِ بِطَاعَتِهِ. قُلْتُ: فَمَا لِذَلِكَ حَدٌّ يُعْرَفُ؟ قَالَ: بَلَي، إنَّ أَشَدَّ شِيعَتِنَا لَنَا حُبَّاً يَكُونُ خُرُوجُ نَفْسِهِ كَشَرَابِ أَحَدِكُمْ فِي يَوْمِ الصَّيْفِ المَاءَ البَارِدَ الَّذِي يَنْتَقِعُ بِهِ القُلُوبُ. وَإنَّ سَائِرَهُمْ كَمَا يَغْبِطُ أَحَدُكُمْ علی فِرَاشِهِ كَأَقَرِّ مَا كَانَتْ عَيْنُهُ بِمَوْتِهِ.
- «سُحْرة» بضمّ السين وسكون الحاء، تُقال لآخر وقت السَّحَر من الليل، والسَّحَر أعمّ منها؛ ويُقال لما قبل طلوع الفجر الصادق سَحَراً.
- «نهج البلاغة» الخطبة ٦٩ من طبعة عبده ـ مصر ص ۱۱۸؛ وفي «شرح ابن أبي الحديد» الدورة ذات العشرين مجلّداً: المجلّد السادس، ص ۱۱٣، حيث ذكر ابن أبي الحديد قصّة شهادته علیه السلام بالتفصيل. ويعني بالاود: الاعوجاج، وباللدد: الخصام. وقال السيّد الرضيّ: وهذا من أفصح الكلام.
- أورده ابن أبي الحديد ـ كما هو الملاحظ في هذه الرواية ـ بلفظ ابن أبي السّاج، إلاّ أنّ المجلسيّ أورده في «بحار الانوار» الطبعة الكمباني، المجلّد التاسع، ص ٦٥٥ عن «إرشاد المفيد» بلفظ ابن النباح.
- «شرح نهج البلاغة» ابن أبي الحديد، الدورة ذات العشرين مجلّداً، المجلّد السادس، ص ۱٢۱.
- [معرفة المعاد ج ٣].
