
مسار العلوم وتأريخ الشيعة في عصر الإمام العسكريّ عليه السلام
أهم محتويات المقالة: - نشأة الإمام؛ - إبعاد الإمام وحبسه من قِبل الخلفاء العباسيّين؛ - صفات الإمام عليه السلام.
مسار العلوم وتأريخ الشيعة في عصر الإمام العسكريّ عليه السلام
4وقد أعقب المتوكّل في الخلافة المعتصم وبعده المعتزّ ثم المهتدي ثمّ المعتمد، حيث استخلف كلّ واحد منهم الآخر، وكان الإمام العسكري قد عاين كلّ هذه الفترة التي اتّسمت بالتعقيد والصعوبة خلال حقباتها المؤلمة.
صفات الإمام عليه السلام
كان الإمام الحسن العسكري كسائر الأئمة رجل هادئ يفرض احترامه على الآخرين، يجلّله السكون والوقار، وكان عاقلاً ومفكّرًا، حتّى أنّ أعداء الإمام مثل عبيد الله بن أحمد بن خاقان، كانوا يبيّنون في كتب التاريخ فضائل الإمام وأحواله، فمع كونه ناصبيًّا ومعاديًا لأهل البيت إلا أنّه مدَح الإمام وأثنى عليه فقال:
كان في سامرّاء رجل من العلويّين يتّصف بهذه الصفات؛ كان مقدّماً على الجميع يحترمه الناس جميعاً ويزينه السكون والوقار وكان أعقل الناس وأحزمهم فكراً هيأته كالجبل من شدّة الوقار وكان العلماء والوزراء والكبار يحترمونه فضلاً عن الشيعة وكان مقدّماً على جميع العلويّين وكانوا ينعتوه بأنّه سيّدهم ورئيسهم والحال أنّه كان فيهم من هو أكبر سنّاً منه.۱
والآن حينما تذهبون إلى قبر الإمام في سامرّاء ـ وهو نفس منزل الإمام الذي يحتوي على قبر الإمام علي النقي والسيّد حسين أخو الإمام الحسن العسكري حيث إنّه مدفون في الحضرة نفسها، وكذلك السيّدة حكيمة خاتون والسيّدة نرجس خاتون، فهؤلاء جميعًا مدفونين في نفس المنزل، وبعد ذلك تبدّل هذا المنزل إلى رواق وضريح وصحن و...، وهو قبر نورانيّ جدًا وفضاء نورانيّ، ومشهود جدًا أنّه فضاءٌ رحب ورفيع وعالي. وجميع ذلك من بركات وتجليّات الإمام الحسن العسكري عليه السلام.
وقد ذكر العلماء أحوال هذا الإمام بشكلٍ مفصّلٍ نعم بالنسبة لنا لم يُنقل شيء معتدّ به عن الإمام ممّا يتوقّع نقله مفصّلاً عن الإمام الحسن العسكري وذلك ـ أولاً: ـ لأنّ عمر الإمام كان قصيراً، وثانياً: لكون الإمام مبعداً ومحجوراً عليه غالباً ولم يكن بمقدور جميع الشيعة أن يصلوا إليه لذلك فإنّ المقدار الذي نقله العلماء والمؤرخون من بيانات الإمام وكلماته، نقلوه بشكل مفصّل ضمن كتبهم ومؤلفاتهم، وللعلماء شواهد على بيانات الإمام؛ من جملتها بعض الروايات التي كنّا قد بينّاها سابقاً في المسجد وفي المنزل، وأذكر أنّه في السنة الماضية قد بينّا العديد من كلماته ورواياته بشكل مفصل.
- الكافي الجزء الأول ص٥۰٣
عن الحسين بن محمّد الاشعري ومحمّد بن يحيى وغيرهما قالوا: كان أحمد بن عبيد الله بن خاقان على الضياع والخراج بقم فجرى في مجلسه يوما ذكر العلويّة ومذاهبهم وكان شديد النصب فقال: ما رأيت ولا عرفت بسرّ من رأى رجلاً من العلويّة مثل الحسن بن علي بن محمّد بن الرضا في هديه وسكونه وعفافه ونبله وكرمه عند أهل بيته وبني هاشم وتقديمهم إياه على ذوي السنّ منهم والخطر وكذلك القواد والوزراء وعامّة الناس، فإنّي كنت يوما قائماً على رأس أبي - وهو يوم مجلسه للناس - إذ دخل عليه حجابه فقالوا: أبو محمّد بن الرضا بالباب، فقال بصوت عال: ائذنوا له، فتعجّبت ممّا سمعت منهم أنّهم جسروا يكنّون رجلا على أبي بحضرته ولم يكن عنده إلّا خليفة أو وليّ عهد أو من أمر السلطان أن يكنّى، فدخل رجل أسمر، حسن القامة، جميل الوجه، جيّد البدن حدث السنّ له جلالة وهيبة فلمّا نظر إليه أبي قام يمشي إليه خطا ولا أعلمه فعل هذا بأحد من بني هاشم والقواد، فلمّا دنا منه عانقه وقبّل وجهه وصدره وأخذ بيده وأجلسه على مصلّاه الذي كان عليه وجلس إلى جنبه مقبلاً عليه بوجهه وجعل يكلّمه ويفديه بنفسه وأنا متعجّب ممّا أرى منه إذ دخل [عليه] الحاجب فقال: الموفّق قد جاء وكان الموفّق إذا دخل على أبي، تقدّم حجابه وخاصّة قواده، فقاموا بين مجلس أبي وبين باب الدار سماطين إلى أن يدخل ويخرج فلم يزل أبي مقبلاً على أبي محمّد يحدّثه حتّى نظر إلى غلمان الخاصّة قال حينئذ إذا شئت جعلني الله فداك، ثم قال لحجابه: خذوا به خلف السماطين حتّى لا يراه هذا - يعني الموفّق -، فقام وقام أبي وعانقه ومضـى، فقلت لحجاب أبي وغلمانه: ويلكم من هذا الذي كنّيتموه على أبي وفعل به أبي هذا الفعل، فقالوا: هذا علويّ يقال له الحسن بن عليّ يعرف بابن الرضا فازددت تعجّبا ولم أزل يومي ذلك قلقاً متفكّراً في أمره وأمر أبي وما رأيت فيه حتّى كان الليل وكانت عادته أن يصلّي العتمة ثم يجلس فينظر فيما يحتاج إليه من المؤامرات وما يرفعه إلى السلطان، فلمّا صلّى وجلس، جئت فجلست بين يديه وليس عنده أحد فقال لي: يا أحمد لك حاجة؟ قلت: نعم يا أبه فإن أذنت لي سألتك عنها؟ فقال: قد أذنت لك يا بنيّ فقل ما أحببت، قلت: يا أبه من الرجل الذي رأيتك بالغداة فعلت به ما فعلت من الإجلال والكرامة والتبجيل وفديته بنفسك وأبويك؟ فقال: يا بنيّ ذاك إمام الرافضة، ذاك الحسن بن عليّ المعروف بابن الرضا، فسكتّ ساعة، ثمّ قال: يا بني لو زالت الإمامة عن خلفاء بني العبّاس ما استحقّها أحد من بني هاشم غير هذا وإنّ هذا ليستحقّها في فضله وعفافه وهديه وصيانته وزهده وعبادته وجميل أخلاقه وصلاحه ولو رأيت أباه رأيت رجلاً، جزلاً، نبيلاً، فاضلاً، فازددت قلقاً وتفكّراً وغيظاً على أبي وما سمعت منه واستزدته في فعله وقوله فيه ما قال، فلم يكن لي همّة بعد ذلك إلا السؤال عن خبره والبحث عن أمره، فما سألت أحداً من بني هاشم والقواد والكتّاب والقضاة والفقهاء وسائر الناس إلّا وجدته عنده في غاية الإجلال والإعظام والمحلّ الرفيع والقول الجميل والتقديم له على جميع أهل بيته ومشايخه فعظم قدره عندي إذ لم أر له ولياً ولا عدواً إلّا وهو يحسن القول فيه والثناء عليه.
- الكافي الجزء الأول ص٥۰٣
