
آخر الأيام والساعات من حياة سيّد الكائنات (3)
أهم محتويات المقالة: - تمهيد؛ - روايات العامّة حول رزيّة يوم الخميس وبعض الأحداث قبلها؛ - اتّكاء رسول اللـه على عليّ والعبّاس، ودخوله حجرة عائشة؛ - الروايات الواردة في منع عمر النَّبيّ صلّى اللـه عليه وآله أن يكتب كتاباً في المرض الذي توفّي فيه؛ - عدّة أبحاث في تحليل ما ورد في روايات رزيّة يوم الخميس؛ - البحث الأوّل: كون الحادثة ليست ارتجاليّة بل مخطّط لها من النبيّ، كما أنّ حضور عمر وأصحابه كان مخطّطاً له؛ - البحث الثاني: أنّ جملة عمر كانت: إنَّ رَسُولَ اللـهِ يَهْجُرُ؛ - تغيير لفظة الهجر من قبل أنصار عمر؛ - البحث الثالث: وما هو الشيء الذي أراد أن يكتبه فلا تضلّ أُمّته بعده أبداً؟؛ - قصد رسول اللـه صلّى الـله عليه وآله من الكتابة الوصيّة لعليّ.
آخر الأيام والساعات من حياة سيّد الكائنات (۳)
8فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إنَّ الرَّزِيَّةَ مَا حَالَ بَيْنَنَا وبَيْنَ كِتَابِ رَسُولِ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، يَعْنِي الاخْتِلَافَ واللَّغَطَ.
يقول ابن أبي الحديد: هذا الحديث قد خرّجه الشيخان: محمّد بن إسماعيل البخاريّ، ومسلم بن الحجّاج القُشَيْريّ في صحيحيهما. واتّفق كافّة المحدّثين على روايته.۱
ونكتفي هنا بذكر النكتة الآتية التي تمثّل الدليل على ما نقول:
يقول هنا: قال عمر كلمة معناها أنّ الوجع قد غلب على رسول الله. وهذا صريح أنّ كلمة عمر كانت شيئًا آخرًا. ولمّا لم يرغب القوم في ذكر كلمته نصًّا، استبدلوا بها مفادها ومعناها. وتلك الكلمة هي: الهَجْر.٢
ودليلنا الآخر هو عقد مقارنة بين الروايات المذكورة، إذ لو وضعناها جنبًا إلى جنب ووازنّا بينها، لتبيّن لنا بلا مراء أنّ كلمة عمر كانت قوله: إنَّ النَّبِيّ يَهْجُرُ.
إنّ البخاريّ الذي ذكر في الصحيحتين الأولى والثانية اسم المعترض بصراحة ـ وهو عمر ـ قال: كانت كلمته: قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ الوَجَعُ، بَيدَ أنّه لم يصرّح باسمه في صحيحته الثالثة، وكذلك لم يفعل مسلم في صحيحته، بل قالا بنحو عامّ: قَالُوا، وأوردا كلمة عمر نفسها: يَهْجُر. فَقَالُوا: هَجَرَ رَسُولُ اللهِ. فَقَالُوا: إنَّ رَسُولَ اللهِ لَيَهْجُرُ.٣ وقال ابن سعد في طبقاته في الرواية التي نقلناها عن سعيد بن جُبَيْر: فَقَالَ بَعْضُ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ: إنَّ نَبِيّ اللهِ لَيَهْجُرُ. وهنا لمّا لم يتعيّن قائل كلمة: يَهْجُرُ بنفسه، وذُكر بلفظ: قَالُوا، أو: قَالَ بَعْضُ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ، فإنّ الإتيان بكلمة هَجَرَ ويَهْجُرُ لم تُسْتَهْجَنْ بل ذُكرت كما هي.
ولكنّنا عندما نوازن بين هذه الروايات، يستبين لنا جيّدًا أنّ قائل كلمة يَهْجُرُ في قولهم: قَالُوا، أو: بَعْضُ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ هو عُمَر نفسه، بَيْدَ أنّ هؤلاء المحرّفين والمبدّلين وحماة أريكة الاستبداد والظلم استبدلوا بها في تلك الروايات كلمتهم: قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ الوَجَعُ حماية لعُمَر ولشأنه.
تغيير لفظة الهجر من قبل أنصار عمر
وقد لاحظنا في إحدى روايات مسلم بن الحجّاج أنّه ذكر عمر بكلامه: أهَجَرَ؟ اسْتَفْهِمُوهُ! ومن الواضح أنّ لفظ عمر لا يحمل الاستفهام والشكّ وقد قال ما قال جازمًا، إذ تفوّه بكلمته: هَجَرَ. وإذا بعض المدافعين عنه قالوا: لعلّه قال: هَجَرَ على سبيل الاستفهام، ولا فرق بينهما في الكتابة. ثمّ جاء بعض آخر فأراد أن يثبّت هذا الاستفهام ويؤيّده، فوضع همزة الاستفهام في أوّل الكلمة وقال: أهَجَرَ؟ ثمّ أضاف مدافعون آخرون جملة: اسْتَفْهِمُوهُ، لتثبيت كلمتهم: أهَجَرَ؟
- «شرح نهج البلاغة» ج ٢، ص ٢۰، طبعة دار الكتب العربيّة الكبرى.
- هَجَرَ يَهْجُرُ هَجْراً في نَوْمِهِ أوْ مَرَضِهِ: خَلَطَ وَ هَذَى.
- حتّى البخاريّ الذي نقلنا عنه الرواية الأولى عن كتاب الطبّ، في باب قول المريض: قوموا عنّي وذكر فيها هذا اللفظ: فقال عمر، نجد قد أورد هذه الرواية عينها بنفس اللفظ والسند في كتاب النبيّ، باب مرضه، طبعة بولاق، ج ٦، ص ٩ و۱۰، وقال: قال بعضهم. وذكر عبارة: ومنهم من يقول غير ذلك مكان عبارة: ومن قائل ما قال عمر.
