
آخر الأيام والساعات من حياة سيّد الكائنات (3)
أهم محتويات المقالة: - تمهيد؛ - روايات العامّة حول رزيّة يوم الخميس وبعض الأحداث قبلها؛ - اتّكاء رسول اللـه على عليّ والعبّاس، ودخوله حجرة عائشة؛ - الروايات الواردة في منع عمر النَّبيّ صلّى اللـه عليه وآله أن يكتب كتاباً في المرض الذي توفّي فيه؛ - عدّة أبحاث في تحليل ما ورد في روايات رزيّة يوم الخميس؛ - البحث الأوّل: كون الحادثة ليست ارتجاليّة بل مخطّط لها من النبيّ، كما أنّ حضور عمر وأصحابه كان مخطّطاً له؛ - البحث الثاني: أنّ جملة عمر كانت: إنَّ رَسُولَ اللـهِ يَهْجُرُ؛ - تغيير لفظة الهجر من قبل أنصار عمر؛ - البحث الثالث: وما هو الشيء الذي أراد أن يكتبه فلا تضلّ أُمّته بعده أبداً؟؛ - قصد رسول اللـه صلّى الـله عليه وآله من الكتابة الوصيّة لعليّ.
آخر الأيام والساعات من حياة سيّد الكائنات (۳)
7ولم يجتمع عُمَر وشرذمته في ذلك المجلس صدفةً وبغتةً، بل كانوا يجتمعون مرارًا في مجالس سابقة ويخطّطون لغصب ولاية المسلمين وإمارتهم. وكان اجتماعه الأخير مع زمرته وأترابه مخطَّطًا له من قبل. وكيف يمكن أن نتصوّر أنّ حضور عمر مع جميع أعوانه ـ الذين كان عددهم من الكثرة بحيث أوجدوا جبهتين في مجلس الرسول الأكرم وصاحوا وقالوا: حَسْبُنَا كِتَابُ اللهِ، وبلغ الذمر أنّهم تميّزوا عن الصحابة المؤمنين المطيعين الذين كانوا في حجرة نبيّهم، وزاد لَغَطُهم حتّى غلبوهم ـ كان صدفة، وقد تحقّق بصورةٍ تلقائيّةٍ اعتياديّةٍ! كيف يتسنّى لنا تصوّر ذلك في مجلس زعيم الحاضرين ومتكلّمهم فيه عُمَر الذي حاكاه رفقاؤه في كلامه فاعترضوا على كلام رسول الله؟۱
رأينا في الحديث الأوّل الذي نقله البخاريّ أنّ ابن عبّاس يقول: اختلف أهل البيت فاختصموا، منهم من يقول: قَرِّبُوا يَكْتُبْ لَكُمُ النَّبِيّ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ. ومنهم من يقول ما قاله عمر. أي: أنّ رسول الله يهجر. ويتبيّن هنا أنّ عمر كان إمام المعترضين وزعيمهم، وأوّل من نطق بهجر رسول الله.
البحث الثاني: أنّ جملة عمر كانت: إنَّ رَسُولَ اللـهِ يَهْجُرُ
البحث الثاني: لا شكّ ولا شبهة أنّ الجملة التي تفوّه بها عمر هي قوله: إنَّ رَسُولَ اللهِ يَهْجُرُ. بَيدَ أنّ أصحاب السنن والأخبار لمّا رأوا أنّ كلمته مستهجنة جدّاً، أرادوا أن يخفّفوا من استهجانها، ويدافعوا عن أدب عمر فاستبدلوا بها كلمتهم: إنَّ النَّبِيّ قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ الوَجَعُ.
والدليل على كلامنا رواية ذكرها ابن أبي الحديد في «شرح نهج البلاغة» بتخريج أبي بكر أحمد بن عبدالعزيز الجوهريّ في كتاب «السقيفة» بإسناده إلى ابن عبّاس أنّه قال: لَمَّا حَضَرَتْ رَسُولَ اللهِ الوَفَاةُ وفي البَيْتِ رِجَالٌ فِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ: إئْتُونِي بِدَوَاةٍ وصَحِيفَةٍ أكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّونَ بَعْدَهُ (قَالَ): فَقَالَ عُمَرُ كَلِمَةً مَعْنَاهَا أنَّ الوَجَعَ قَدْ غَلَبَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ، ثُمَّ قَالَ: عِنْدَنَا القُرْآنُ، حَسْبُنَا كِتَابُ اللهِ.
فَاخْتَلَفَ مَنْ في البَيْتِ واخْتَصَمُوا فَمِنْ قَائِلٍ: قَرِّبُوا يَكْتُبْ لَكُمُ النَّبِيّ، ومِنْ قَائِلٍ: مَا قَالَ عُمَرُ. فَلَمَّا أكْثَرُوا اللَّغَطَ واللَّغْوَ والاخْتِلَافِ غَضِبَ صلّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ فَقَالَ: قُومُوا! إنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِنَبِيّ أنْ يُخْتَلَفَ عِنْدَهُ هَكَذَا. فقَامُوا، فَمَاتَ رَسُولُ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ في ذَلِكَ اليَوْمِ.
- يُستشفّ من أخبار العامّة وأحاديثهم أنّ لعمر صحابة وأتباع وعصابة كما كان لرسول الله صحابة وأتباع. روى العلّامة شرف الدين في «النصّ والاجتهاد» ص ۱۷۷، الطبعة الثانية، عن «سنن أبي داود» المثبّتة في هامش شرح الزرقانيّ على موطّأ مالك، وكذلك في ص ۱۰٣ من الجزء الثاني لشرح الزرقانيّ الموجود في هامش الصفحة، في باب حجّ التمتّع وكراهة عمر التمتّع بالنساء وسط العمرة إلى الحجّ، قال: وَهذا ما كَرِهَهُ عُمَر وبعضُ أتباعِهِ فقال قائلهم: أنَنطلقُ وذكورنا تقطر؟ من جهة اخرى، لمّا سأل أبو موسى الأشعريّ عمر عن هذه المسألة- وفقاً لرواية الإمام أحمد في ص ٥۰ من الجزء الأوّل لمسنده من حديث عمر- قال له عمر مجيباً: قد علمتُ أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله قد فعله هو وأصحابه ولكن كرهت أن يضلّوا بها معرّسين في الأراك ثمّ يروحون بالحجّ تقطر رؤوسهم! ونجد هنا بكلّ وضوح أنّ عمر وأصحابه في جانب، ورسول الله وصحابته في جانب آخر. فافهم وتأمّل واغتنم.
