
آخر الأيام والساعات من حياة سيّد الكائنات (2)
أهم محتويات المقالة: - تمهيد؛ - أمر رسول اللـه بخروج وجوه المهاجرين والأنصار في جيش أسامة؛ - خطبة رسول اللـه في التمسّك بالثقلين؛ - استغفار رسول اللـه لموتى البقيع وإخباره بإقبال الفتن؛ - إمامة الرسول للصلاة حال مرضه وعدم السماح لأبي بكر وعمر بذلك؛ - منع عمر جلب الكتف والدواة وقذفه النبيّ بالهجر.
آخر الأيام والساعات من حياة سيّد الكائنات (۲)
4إنِّي أُوشِكُ أن أُدْعَى فَأُجيبَ، وإنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وعِتْرَتِي، كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إلَى الأرْضِ وعِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي. وإنَّ اللَّطِيفَ الخَبِيرَ أخْبَرَنِي أنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حتّى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تُخَلِّفُونِّي فِيهِمَا!۱
قال الشيخ المفيد في «الإرشاد»: ثمّ كان ممّا أكّد له رسول الله صلى الله عليه وآله من الفضل وتخصّصه منه بجليل رتبته ما تلا حجّة الوداع من الأمور المتجدّدة لرسول الله صلّى الله عليه وآله والأحداث التي اتّفقت بقضاء الله وقدره. وذلك أنّه تحقّق من دنوّ أجله ما كان قدّم الذكر به لأُمّته. فجعل يقوم مقامًا بعد مقام في المسلمين يحذّرهم الفتنة بعده والخلاف عليه ويؤكّد وصايته بالتمسّك بسنّته والإجماع عليها والوفاق، ويحثّهم على الاقتداء بعترته والطاعة لهم والنصرة والحراسة والاعتصام بهم في الدين، ويزجرهم عن الاختلاف والارتداد. وكان فيما ذكره من ذلك صلّى الله عليه وآله ما جاءت به الرواية على اتّفاق واجتماع من قوله:
أيُّهَا النَّاسُ! إنِّي فَرُطُكُمْ وأنْتُمْ وَارِدُونَ عَلَيّ الحَوْضَ. ألَا وإنِّي سَائِلُكُمْ عَنِ الثَّقَلَيْنِ!
فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، فَإنَّ اللَّطِيفَ الخَبِيرَ نَبَّأنِي أنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حتى يَلْقَيَانِي. وسَألْتُ رَبِّي ذَلِكَ فَأعْطَانِيهِ. ألَا وإنِّي قَدْ تَرَكْتُهُمَا فِيكُمْ: كِتَابَ اللهِ وعِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي، لَا تَسْبِقُوهُمْ فَتَفَرَّقُوا، ولَا تَقْصُرُوا عَنْهُمْ فَتَهْلِكُوا، ولَا تُعَلِّمُوهُمْ فَإنَّهُمْ أعْلَمُ مِنْكُمْ.
أيُّهَا النَّاسُ! لَا أُلْفِيَنَّكُمْ بَعْدِي تَرْجِعُونَ كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ! فَتَلْقَوْنِي في كَتِيبَةٍ كَبَحْرِ السَّيْلِ الجَرَّارِ! ألَا وإنَّ عَلِيّ بْنَ أبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ أخِي ووَصِيِّي، يُقَاتِلُ بَعْدِي عَلَى تَأوِيلِ القُرْآنِ كَمَا قَاتَلْتُ عَلَى تَنْزِيلِهِ.
وَكَانَ صلّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُومُ مَجْلِساً بَعْدَ مَجْلِسٍ بِمِثْلِ هَذَا الكَلَامِ ونَحْوِهِ.
ثُمّ إنّه عقد لأُسامة بن زيد بن حارثة الإمرة، وأمره وندبه أن يخرج بجمهور الأمّة إلى حيث أصيب أبوه من بلاد الروم، واجتمع رأيه عليه السلام على إخراج جماعة من مقدّمي المهاجرين والأنصار في معسكره، حتى لا يبقى في المدينة عند وفاته من يختلف في الرياسة ويطمع في التقدّم على الناس بالإمارة، ويستتبّ الأمر لمن استخلفه من بعده، ولا ينازعه في حقّه منازع. فعقد له الإمرة على ما ذكرناه، وجدّ صلّى الله عليه وآله وسلّم في إخراجهم، وأمر أسامة بالبروز عن المدينة بمعسكره إلى الجرف، وحثّ الناس على الخروج إليه والمسير معه، وحذّرهم من التلوّم والإبطاء عنه.
- إنّ من الأدلّة الساطعة على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام وعظمته هو أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله لم يؤمِّر عليه أحدًا في جيش. وإذا ما أشخص جيشًا فهو الأمير عليه. وعندما أمّر أبا بكر ثمّ عمر على الجيش الذي أنفذه لفتح خيبر، ولاذا بالفرار، لم يكن أمير المؤمنين عليه السلام موجودًا فيه. بَيْدَ أنّه حينما قال: لأُعطينّ الراية غداً رجلًا يحبّه اللهُ ورسولُه ويحبّ الله ورسولَه كرّار غير فرّار. وأعطاها عليّاً عليه السلام وأمّره، جعل أبا بكر وعمر تحت قيادته. ولمّا أمر وجوه المهاجرين والأنصار وأعلامهم أن ينضووا تحت لواء أسامة بن زيد، لم يأمر أمير المؤمنين عليه السلام بذلك. وكان هذا من أجل أن يبيّن للأمّة أنّ أسامة ابن السبع عشرة- أو الثماني عشـرة أو التسع عشـرة، أو العشرين، ولم ينصّ أحد على أكثر من ذلك- أهلٌ للإمارة، وغيره ليس أهلًا لها. ولله درّ ابن أبي الحديد المعتزليّ إذ يقول في قصيدته الرائيّة، وهي إحدى علويّاته السبع، ذاكراً أفضليّة أمير المؤمنين عليه السلام:
وَلَا كَانَ في بَعْثِ ابن زِيدٍ مُؤَمَّرا *** عَلَيْهِ لِيُضْحِى لإبْنِ زَيْـدٍ مُؤَمَّرا وَ لَا كَانَ يَوْمَ الغَارِ يَهْفُوا جَنَانُهُ *** حِذَاراً ولَا يَـوْمَ العَرِيشِ تَسَتَّرَا وَ لَا كَانَ مَعْزُولًا غَدَاةَ بَرَاءَةٍ *** وَ لَا في صَلَاةٍ أمَّ فِيهَا مُؤَخّـــــَرَا فتى لَمْ يُعَرِّقْ فِيهِ تَيْمُ ابْنُ مُرَّةٍ *** وَ لَا عَبـَدَ اللَّاتَ الخَبِيثَةَ أعْصُـرَا إمَامُ هُدى بِالقُرْصِ آثَرَ فَاقْتَـضَى *** لَهُ القُـــــــرْصُ رَدَّ القُرْصِ أبْيَضَ أزْهَرَا (من القصيدة الثانية لابن أبي الحديد، مع شرح السيّد محمّد صاحب «المدارك» وقد طبع طباعة حجريّة في مجموعة مع المعلّقات السبع وقصيدة البردة). نجد أنّ أبا الحديد يعدّ هنا مناقب الإمام في مقابل مثالب أبي بكر ويقول: لم يكن الإمام في جيش أسامة بن زيد الذي كان رسول الله قد جعله أميراً، فيكون أسامة أميره. ولم يرتجف قلب الإمام في مبيته على فراش النبيّ إلى الصباح عندما هاجر والتحق به أبو بكر في الغار وكان قلب أبي بكر يرتجف. وعندما نشبت معركة بدر قتل أمير المؤمنين وحده خمسة وثلاثين رجلًا وقتل الملائكة وباقي المسلمين خمسة وثلاثين. أمّا أبو بكر فقد استتر في العريش الذي كان قد صُنع للنبيّ في حين لم يستتر أمير المؤمنين فيه. ولمّا أنفذ النبيّ صلّى الله عليه وآله أبا بكر ليبلِّغ سورة براءة في مكّة ثمّ عزله وكلّف أمير المؤمنين بذلك، لم يعزله كما لم يُؤَخَّر في صلاة جماعة قطّ. وعليّ هو ذلك الفتى الذي لم يُضرب فيه بتيم بن مُرّة بعِرق، لأنّه ليس من قبيلة أبي بكر، ففيه عِرق أجداد رسول الله. كما لم يسجد أمام اللات الخبيثة ولم يعبدها أزماناً طويلة وأعصاراً متوالية كما كان يفعل أبو بكر. وعليّ هو إمام الهدى الذي أعطى السائل قرصه عند إفطاره فرُدّ له قرص الشمس الأبيض الساطع. وهو الذي أخذه رسول الله يوم المباهلة مع نصارى نجران، إذ جعله وفاطمة والحسنين عليهم السلام تحت الكساء اليمانيّ فأدخل جبرائيل نفسه تحت الكساء وافتخر بصحبته. فهو جامع الفضائل والمناقب كما جاء في المثل المشهور: كلّ الصيد في جوف الفرا. أي: إذا أردت صيداً صحراويّاً لذيذاً ففتّش عنه في داخل بطن الحمار الوحشيّ، فهو ألذّ وصيده أشقّ.يُزَاحِمُهُ جِبرِيلُ تَحْتَ عَـبَاءَةٍ *** لَهَا قِيلَ: كُلّ الصَّيْدِ في جَانِبِ الفَرَا
- إنّ من الأدلّة الساطعة على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام وعظمته هو أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله لم يؤمِّر عليه أحدًا في جيش. وإذا ما أشخص جيشًا فهو الأمير عليه. وعندما أمّر أبا بكر ثمّ عمر على الجيش الذي أنفذه لفتح خيبر، ولاذا بالفرار، لم يكن أمير المؤمنين عليه السلام موجودًا فيه. بَيْدَ أنّه حينما قال: لأُعطينّ الراية غداً رجلًا يحبّه اللهُ ورسولُه ويحبّ الله ورسولَه كرّار غير فرّار. وأعطاها عليّاً عليه السلام وأمّره، جعل أبا بكر وعمر تحت قيادته. ولمّا أمر وجوه المهاجرين والأنصار وأعلامهم أن ينضووا تحت لواء أسامة بن زيد، لم يأمر أمير المؤمنين عليه السلام بذلك. وكان هذا من أجل أن يبيّن للأمّة أنّ أسامة ابن السبع عشرة- أو الثماني عشـرة أو التسع عشـرة، أو العشرين، ولم ينصّ أحد على أكثر من ذلك- أهلٌ للإمارة، وغيره ليس أهلًا لها. ولله درّ ابن أبي الحديد المعتزليّ إذ يقول في قصيدته الرائيّة، وهي إحدى علويّاته السبع، ذاكراً أفضليّة أمير المؤمنين عليه السلام:
