
آخر الأيّام والساعات من حياة سيّد الكائنات
أهم محتويات المقالة: - اللحظات الأخيرة من عُمْر رسول اللـه و وصيّته لفاطمة عليها السلام؛ - شعر أبي طالب في مدح رسول اللـه صلى اللـه عليه و آله؛ - أمر رسول اللـه بسدّ الأبواب و الإتيان بالكتف و الدواة لكتابة الوصيّة؛ - حزن فاطمة عليها السلام لفقد أبيها؛ - أهمّيّة مقام ولاية رسول اللـه و خلافته.
آخر الأيّام والساعات من حياة سيّد الكائنات
2بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
و صلّى اللهُ على محمّد و آله الطَّاهرين
و لعنة الله على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين
و لا حول و لا قوّة إلاّ باللهِ العليّ العظيم
اللحظات الأخيرة من عُمْر رسول اللـه و وصيّته لفاطمة عليها السلام
قال الشيخ الكبير والمفسّر العظيم أمين الإسلام أبو عليّ الفضل بن الحسن الطبرسيّ قدّس اللـه نفسه صاحب تفسير «مجمع البيان» في كتابه النفيس الممتع «إعلام الورى»: وضع عليّ بن أبي طالب عليه السلام رأس رسول اللـه صلى اللـه عليه و آله في حجره، فأغمي عليه، و أكبّت فاطمة تنظر في وجهه و تندبه و تبكي و تقول:
وَأبْيَضَ يُسْتَسْقَى الغَمَامُ بِوَجْهِهِ *** ثِمَالُ اليَتَامَى عِصْمَةٌ لِلأرَامِلِ ففتح رسول اللـه صلى اللـه عليه و آله عينيه و قال بصوت ضئيل: يَا بُنَيَّةُ! هَذَا قَوْلُ عَمِّكِ أبِي طَالِبٍ، لَا تَقُولِيهِ! وَلَكِنْ قُولِي: {وَ مَا مُحَمَّدٌ إلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أفَإين مَّاتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أعْقَابِكُمْ}.
فبكت طويلًا فأومأ إليها بالدنو منه، فدنت إليه، فأسرّ إليها شيئاً تهلّل له وجهها.۱ ثمّ قضى و يد أمير المؤمنين اليمنى تحت حنكه، ففاضت نفسه فيها فرفعها إلى وجهه فمسحه بها. ثمّ وجّهه وغمّضه ومدّ عليه إزاره واشتغل بالنظر إلى أمره.
فسئلت: ما الذي قال لك رسول اللـه فسرى عنك؟! قالت: أخبرني أنّي أوّل أهل بيته لحوقاً به و أنّه لن تطول المدّة بي بعده حتّى أدركه فسرى ذلك عنّي.٢
و من الواضح هنا أنّ رسول اللـه لم يُرِدْ أن يمنع فاطمة من حقيقة و مفاد الشعر الرفيع الذي أنشده أبو طالب عليه السلام. بل أراد أن يُشعرها بأنّ يوماً عصيباً ينتظرها، وأنّ الراجعين عن الإسلام سوف يقتلونها ويغصبون حقّها وحقّ بعلها، وكلّهم سيعودون إلى البربريّة والجاهليّة حسب هذه الآية. وأنّها و بعلها عليّ بن أبي طالب من الشاكرين، وأنّ ذيل الآية: {وَ سَيَجْزِى اللـه الشَّاكِرِينَ} سيكون لهما.
كيف يمكن أن نتصوّر أنّ رسول اللـه يمنع بنته من شعر حاميه و معينه و ناصره الوحيد في مكّة في حين أنّه عندما ذكر شعر أبي طالب سُرَّ سروراً بالغاً حتى ضحك من شدّة السرور والفرح؟
- روى البخاريّ في صحيحه، ج ٦، ص ۱۰، طبعة بولاق، باب مرض النبيّ من كتاب النبيّ بسنده عن عائشة قالت: دعا النبيّ صلى الله عليه و آله فاطمة عليها السلام في شكواه الذي قبض فيه، فسارّها بشيء فبكت. ثمّ دعاها فسارّها بشيء فضحكت. فسألنا عن ذلك، فقالت: سارّني النبيّ صلى الله عليه و آله و سلّم أنّه يُقبض في وجعه الذي توفّي فيه فبكيت. ثمّ سارّنى فأخبرني أنّي أوّل أهله يتبعه فضحكتُ.
- «إعلام الورى بأعلام الهدي» ص ۱٤٣. و ذكرها الشيخ المفيد أيضاً في «الإرشاد» ص ۱۷٣، طبعة إسلاميّة الحديثة سنة ۱٣٦٤ هـ. ش. وروى ابن سعد في طبقاته، ج ٢، ص ۱٩٣، بسنده عن ابن عبّاس أنّه لمّا نزلت {إذَا جَآءَ نَصْرُ اللهِ وَ الْفَتْحُ} دعا رسول الله صلى الله عليه و آله فاطمة فقال: إنّي نُعِيَتْ إلَيّ نفسي. قالت: فبكيتُ. فقال: لا تبكِ فإنّكِ أوّل أهلي بي لحوقاً فضحكتُ. و قال رسول الله {إذا جَآءَ نَصْرُ اللهِ وَ الْفَتْحُ} و جاء أهل اليمن و هم أرقّ أفئدة و الإيمان يُمَان، و الحكمة يمانيّة. فاستعدّ للارتحال إلى ربّك بالحمد و التسبيح و الثناء، فهو التوّاب الغفّار.
