
آخر الأيّام والساعات من حياة سيّد الكائنات
أهم محتويات المقالة: - اللحظات الأخيرة من عُمْر رسول اللـه و وصيّته لفاطمة عليها السلام؛ - شعر أبي طالب في مدح رسول اللـه صلى اللـه عليه و آله؛ - أمر رسول اللـه بسدّ الأبواب و الإتيان بالكتف و الدواة لكتابة الوصيّة؛ - حزن فاطمة عليها السلام لفقد أبيها؛ - أهمّيّة مقام ولاية رسول اللـه و خلافته.
آخر الأيّام والساعات من حياة سيّد الكائنات
7فَأخذ رسول اللـه يدها و ضمّها إلى صدره المبارك، و لم يفتح عينيه برهة فظنّ الحاضرون أنّ روحه عرجت إلى ذي العرش. فهمست فاطمة في أُذُنه قائلة: يَا أبَتَاهْ! فلم تسمع شيئاً، فقالت: روحي لك الفداء! انظر إليّ و حدّثني!
ففتح صلى اللـه عليه و آله عينيه و قال: يا بُنيّتي! دعي عنكِ البكاء فإنّ حَمَلَة العرش يبكون لبكائكِ. و نَكَفَ الدمع عن وجه عزيزته بيده، و اهتمّ بتسكينها و بشّرها و قال: اللهمّ مُنّ عليها بالصبر لفراقي! و قال لها: إذا قُبضت روحي فقولي: إنَّا للـهِ وَ إنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ. يا فاطمة! إنّ كلّ مَن أصابته مصيبة سيرى عنها عوضاً.
قالت فاطمة: يا رسول اللـه! من يكون و ماذا يكون عنك عوضاً؟! ثمّ أغمض عينيه مرّة أخرى، فقالت فاطمة: وَ اكَرباه! فقال رسول اللـه: لا كرب و لا غمّ على أبيكِ بعد اليوم. أي: أنّ الحزن و الاضطراب اللذين يسيطران على الإنسان سببهما التعلّقات الجسمانيّة، و الآن قطعت علائق البشريّة، و تناهى إلى الأسماع النداء المتمثّل بقوله تعالى: {إرْجِعِي إلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً}. و ستسرع الروح اللطيفة الوديعة إلى جوار رحمة ربّ العالمين. و قد شوهد الرَّوح و الريحان وجنّة النعيم، فلن تبقى حسرة و حزن و ألم.۱
و يواصل ميرخواند الموضوع فيقول: لمّا دُفن رسول اللـه، و رجع أصحابه من قبره، جاؤوا إلى بيت فاطمة الزهراء عليها السلام و عزّوها. فسألتهم قرّة عين النبيّ: دفنتموه؟! قالوا: نعم! قالت: كيف طابت نفوسكم أن تحثوا عليه التراب؟! إنّه نبيّ الرحمة! قالوا: يا بنت رسول اللـه! نحن أيضاً محزونون لهذا المصاب، ولكن لابدّ من التسليم لحكم الباري سبحانه و تعالى.
و جاء في «مقصد أقصى» (= المقصد الأقصى): كلّما نظرت فاطمة إلى الحسن و الحسين، تحسّرت و تأوّهت لِيُتم ولديها حتى تشبّ النار من قلبها، و يبكي الناس دماً لمصابها، و [كأن]٢ الأحباب و الأصحاب جميعهم يبكون معها و ينشدون هذه الأبيات في مخاطبة سيّد الكائنات و خلاصة الموجودات:
اى خواجه! زين شكسته دلان تا چه ديدهاى *** كز ما رميـده جاى دگر آرميدهاى! - ذكر آية الله السيّد عبد الحسين شرف الدين العامليّ بعض المطالب في كتابه القيِّم «النصّ و الاجتهاد» ص ٩٣ إلى ٩٥، الطبعة الثانية، في المتن و التعليقة، و محصّلها:
أوّلًا: إنّما فاطمة الزهراء سلام الله عليها بمثابة من القدس تعدل بها مريم ابنة عمران بحكم النصوص الصريحة في السنن المتضافرة الصحيحة، فمنها ما أخرجه ابن عبد البرّ في «الاستيعاب» و غيره من أعلام أثباتهم أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله عادها و هي مريضة. فقال: كيف تجدينك يا بُنيّة؟ قالت: إنّي لوجعة و إنّه ليزيدني أنّي ما لي طعام آكله. قال: يا بُنيّة! أما ترضين أنّكِ سيّدة نساء العالمين؟! قالت: يا أبه! فأين مريم ابنة عمران؟! قال: تلك سيّدة نساء عالمها و أنتِ سيّدة نساء عالمكِ! أما والله لقد زوّجتكِ سيّداً في الدنيا و الآخرة... إلى آخر الحديث.
ثانياً: أنّ فاطمة الزهراء عليها السلام أفضل من مريم ابنة عمران. و تفضيلها على مريم عليها السلام أمر مفروغ منه عند أئمّة العترة الطاهرة و أوليائهم من الإماميّة و غيرهم. صرّح بأفضليّتها على سائر النساء حتى السيّدة مريم كثير من محقّقي أهل السنّة و الجماعة كالتقيّ السبكيّ، و الجلال السيوطيّ، و البدر، و الزركشيّ، و التقيّ المقريزيّ، و ابن أبي داود، و المناويّ فيما نقله عنهم العلّامة النبهانيّ في فضائل الزهراء، ص ٥٩ من كتابه «الشرف المؤبّد».
ثالثاً: أنّ فاطمة، و مريم، و خديجة، و آسية أفضل نساء الجنّة. أخرجه الإمام أحمد من حديث ابن عبّاس في ص ٢٩٣ من الجزء الأوّل من مسنده. و رواه أبو داود كما في ترجمة خديجة من «الاستيعاب»، و قاسم بن محمّد كما في ترجمة الزهراء من «الاستيعاب» أيضاً.
رابعاً: أنّ فاطمة و الثلاث خير نساء العالمين. أخرجه أبو داود كما في ترجمة خديجة من «الاستيعاب» بالإسناد إلى أنس. و رواه عبد الوارث بن سفيان كما في ترجمة الزهراء، و خديجة من «الاستيعاب».
خامساً: أنّ فاطمة سيّدة نساء المؤمنين أو سيّدة نساء هذه الأمة. أخرجه البخاريّ في ص ٦٤ من الجزء الرابع من صحيحه، و مسلم في باب فضائل فاطمة من الجزء الثاني من صحيحه، و الترمذيّ في الصحيح، و صاحب «الجمع بين الصحيحين»، و صاحب «الجمع بين الصحاح الستّة»، و الإمام أحمد من حديث الزهراء ص ٢۸٢ من الجزء السادس من مسنده، و ابن عبد البرّ في ترجمتها من استيعابه، و محمّد بن سعد في ترجمتها من الجزء الثامن من طبقاته، و في باب ما قاله النبيّ في مرضه من المجلّد الثاني من «الطبقات الكبرى» أيضاً. و اللفظ الذي نذكره الآن هو للبخاريّ في آخر ورقة من كتاب الاستئذان، من الجزء الرابع من صحيحه، قال: حدّثنا موسى عن أبي عوانة، عن فراس، عن عامر، عن مسروق، قال: حدّثتني عائشة أمّ المؤمنين، قالت: إنّا كنّا أزواج النبيّ عنده جميعاً لم تغادر منّا واحدة، فأقبلت فاطمة تمشي، لا و الله ما تخفي مشيتها من مشية رسول الله صلى الله عليه و آله، فلمّا رآها رحّب، و قال: مرحباً بابنتي، ثمّ أجلسها عن يمينه أو عن شماله، ثمّ سارت فبكت بكاءً شديداً. فلمّا رأى حزنها، سارّها الثانية، إذا هي تضحك، فقلتُ لها أنا من بين نسائه: خصّكِ رسول الله بالسرّ من بيننا، ثمّ أنتِ تبكين؟! فلمّا قام رسول الله صلى الله عليه و آله سألتُها: عمّ سارّكِ؟ قالت: ما كنت لأفشي على رسول الله سرّه. فلمّا توفّى قلتُ لها: عزمت عليك بما لي عليكِ من الحقّ لما أخبرتني. قالت: أمّا الآن فنعم، فأخبرتني.
قالت: أمّا سارّني في الأمر الأوّل فإنّه أخبرني أنّ جبريل كان يعارضه بالقرآن كلّ سنة مرّة، و أنّه قد عارضني به العام مرّتين، و لا أرى الأجل إلّا اقترب، فاتّقي الله و اصبري، فإنّي نِعْمَ السلف أنا لكِ! فبكيتُ بكائي الذي رأيتِ. فلمّا رأى جزعي، سارّني الثانية، قال: يا فاطمة! ألا ترضين أن تكوني سيّدة نساء المؤمنين، أو نساء هذه الأمة؟! فضحكتُ.
علماً أنّ السيّد شرف الدين ذكر هذين الحديثين أيضاً في كتابه الآخر: «الكلمة الغرّاء» ص ٢٤٢ و ٢٤٣. - [تمّت إضافة عبارة [كأنّ] من الهيئة العلميّة في هذا البحث ليتناسب المعنى العربي مع ما هو مكتوب في الأصل، وهي لم تكن موجودة في الأصل العربي المطبوع! ]
- ذكر آية الله السيّد عبد الحسين شرف الدين العامليّ بعض المطالب في كتابه القيِّم «النصّ و الاجتهاد» ص ٩٣ إلى ٩٥، الطبعة الثانية، في المتن و التعليقة، و محصّلها:
