أهم محتويات المقالة: - نزول جبرئيل في غدير خمّ وتوقّف رسول الله صلّى الله عليه وآله؛ - رواية أُخرى لخطبة رسول الله صلّى الله عليه وآله في غدير خمّ؛ - تهنئة الصحابة وزوجات النبيّ أمير المؤمنين عليه السلام.
قصة الغدير
4و ظُلّل لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم من الشمس بثوب على إحدى شجرات السمُر، و صُنع له منبر من أقتاب الإبل.
فلمّا انصرف صلّى الله عليه وآله وسلّم من صلاته، قام على ذلك المنبر خطيباً وسط القوم، و رفع صوته بحيث يسمعه جميع الناس، فقال:
الحَمْدُ لِلَّهِ، وَ نَسْتَعِينُهُ، وَ نُؤْمِنُ بِهِ، وَ نَتَوَكَّلُ عَلَيهِ، وَ نَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أنْفُسِنَا، وَ مِنْ سَيِّئَاتِ أعْمَالِنَا، الذي لا هَادِى لِمَنْ ضَلَّ، وَلا مُضِلّ لِمَنْ هَدَى. وَ أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلاّ اللهُ؛ وَ أنَّ مُحَمَّدَاً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ.
أمَّا بَعْدُ: أيُّهَا النَّاسُ! قَدْ نَبَّأنِيَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ أنّهُ لَمْ يَعْمّرْ نَبِيّ إلاّ مِثْلَ نِصْفِ عُمْرِ الذي قَبْلَهُ!۱ وَ إنِّي أُوشِكُ أنْ أدْعَى فَأجَبْتُ! وَ إنِّي مَسْؤُولٌ، وَ أنْتُمْ مَسْؤُولُونَ: فَمَاذَا أنْتُمْ قَائِلُونَ؟!
قَالُوا: نَشْهَدُ أنكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَ نَصَحْتَ وَ جَهَدْتَ! فَجَزاكَ اللهُ خَيْراً!
قَالَ: ألَسْتُمْ تَشْهَدُونَ أنْ لا إلَهَ إلاّ اللهُ؛ وَ أنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ؛ وَ أنَّ جَنَّتَهُ حَقٌّ؛ وَ نَارَهُ حَقٌّ؛ وأنَّ الْمَوْتَ حَقٌّ، وَ أنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا؛ وَ أنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ في القُبُورِ؟!
قَالُوا: بَلَى! نَشْهَدُ بِذَلِكَ! قَالَ: اللهُمَّ اشْهَدْ!
ثُمَّ قَالَ: أيُّهَا النَّاسُ! ألا تَسْمَعُونَ؟!
قَالُوا: نَعَمْ!
قَالَ: فَإنِّي فَرَطُ٢ على الحَوْضِ؛ وَ أنْتُمْ وَارِدُونَ عَلَيّ الحَوْضَ! وَ إنَّ عَرْضَهُ مَا بَيْنَ صَنْعَاءَ وَ بُصْرَى؛ فِيهِ أقْدَاحٌ عَدَدَ النُّجُومِ مِنْ فِضَّةٍ. فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخلُفُونِي في الثَّقَلَيْنِ؟!
فَنَادَى مُنَادٍ: وَ مَا الثَّقَلانِ يَا رَسُولَ اللهِ؟!
قَالَ: الثَّقَلُ الأكْبَرُ كِتَابُ اللهِ؛ طَرَفٌ بِيَدِ اللهِ عَزَّ وَ جَلَّ؛ وَ طَرَفٌ بِأيْدِيكُمْ؛ فَتَمَسَّكُوا بِهِ لا تَضِلُّوا! وَ الآخَرُ الأصْغَرُ عِتْرَتِي؛ وَ إنَّ اللَّطِيفَ الخَبِيرَ نَبَّأنِي أنهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حتّى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ! فَسَألْتُ ذَلِكَ لَهُمَا رَبِّي، فَلا تَقَدَّمُوهُمَا فَتَهْلِكُوا؛ وَ لا تَقْصُرُوا عَنْهُمَا فَتَهْلِكُوا!
ثُمَّ أخَذَ بِيَدِ عَلِيّ فَرَفَعَهَا حتّى رُئِيَ بَيَاضُ آبَاطِهِمَا وَ عَرَفَهُ القَوْمُ أجْمَعُونَ.
فَقَالَ: أيُّهَا النَّاسُ! مَنْ أوْلَى النَّاسِ بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أنْفُسِهِمْ؟!
قَالُوا: اللهُ وَ رَسُولُهُ أعْلَمُ!
قَالَ: إنَّ اللهَ مَولاي؛ وَ أنَا مَوْلَى المُؤمِنِينَ؛ وَ أنَا أوْلَى بِهِمْ مِنْ أنْفُسِهِمْ! فَمَنْ كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِيّ مَوْلاهُ. يَقُولُهَا ثَلاثَ مَرَّاتٍ؛ وَ في لَفْظِ أحْمَدَ إمَامِ الحَنَابِلَةِ: أرْبَعَ مَرَّاتٍ.٣
- قوله صلّى الله عليه وآله: إنَّهُ لَمْ يَعْمّرْ نَبِيّ إلاّ مِثْلَ نِصْفِ عُمُرِ الذي قَبْلَهُ رواه العامّة في كتبهم. و لم أجده في كتب الشيعة. و على أيّ تقدير لابدّ من معرفة هذا النسق من التعبير. لأنّنا نعلم أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم عمّر ثلاثاً و ستّين سنة. و النبيّ الذي سبقه، و هو عيسى ابن مريم على نبيّنا وآله وعليه السلام عمّر أربعين سنة. فعلى هذا لا يمكننا أن نعتبر عمر النبيّ ٦٣ سنة نصف عمر عيسى؛ و ينبغي أن نقول: لعلّ المراد مدّة نبوّته ٢٣ سنة. و بعد نقص ٣ سنوات حيث كانت الدعوة سرّيّة، و لم يكن هناك أمر بالتبليغ العلنيّ، تبقى ٢۰ سنة و هي المدّة التي اعتبرها الكثيرون مدّة رسالته صلّى الله عليه وآله، و هي نصف المدّة التي عاشتها رسالة السيّد المسيح، ذلك لأنّ نبوّته بدأت منذ ميلاده وهو لم يزل في المهد كما جاء ذلك في الآيتين الكريمتين ٢٩ و ٣۰ من السورة ۱٩: مريم: فَأشَارَتْ إلَيْهِ قَالُواْ كَيْفَ نُكَلّمَ مَنْ كَانَ في الْمَهْدِ صَبِيّا ، قَالَ إنِّي عَبْدُ اللهِ ءَاتَانِيَ الْكِتَابِ وَ جَعَلْنِي نَبِيّا.
- ٩ قال الراغب في المفرادات ص ٦٣۱ فَرَطَ: إذا تقدّم تقدّما بالقصد يَفْرُطُ، و منه: الفَارِطُ إلى الماء، أي: المتقدّم لإصلاح الدّلو، يقال: فَارِطٌ و فَرَطٌ، و منه قوله عليه السلام: «أنا فرطكم على الحوض». م
- يقول ابن كثير الدمشقيّ في «البداية والنهاية» ج ٥، ص ٢۰٩: أخرج النسائيّ في سننه عن محمّد بن مُثَنّى، عن يحيى بن حمّاد، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي الطفيل، عن زيد بن أرقم، قال: لَمّا رجع رسول الله من حجّة الوَداع و نزل غدير خمّ أمر بِدَوحاتٍ فَقُمِمْنَ ثمّ قال: كَأَني قد دُعِيتُ فَأجبتُ إنِّي قد تركت فيكم الثَّقلَين: كِتابَ الله وَعترتي أهل بَيتي؛ فانظروا كيف تَخْلُفوني فيهما فَإنَّهما لن يفترقا حتّى يردا عَلَيّ الحوضَ. ثمّ قال: الله مولاي وأنا وليّ كُلِّ مؤمن. ثمّ أخذ بِيَدِ عَلِيّ فقال: مَن كنتُ مولاه فهذا وليّه، اللهُمَّ وال من والاه؛ و عاد من عاداه. فقلت لزيد: سمعت من رسول الله صلّىالله عليه وآله وسلّم؟ فقال: ما كان في الدَّوحات أحد إلّا رآه بعينيه وسمعه باذُنَيْه. تفرّد النسائيّ بهذا الرواية من هذا الوجه. وقال شيخنا أبو عبدالله الذهبيّ: هذا حديث صحيح.

