أهم محتويات المقالة: - الله المتجلّي في خلقه هو الوليّ؛ - علّة عدم رؤيتنا لله هو النظرة الاستقلاليّة إلى الأشياء؛ - اتّصاف كلّ الموجودات بمقدار من الولاية؛ - قابليّة الإنسان لبلوغ أعلى رتبة من الولاية؛ - الإنسان الكامل متحقّق بولاية الله المطلقة؛ - ولاية غير الله تبعيّة وولاية الله استقلاليّة؛ - قصّة السيّد القاضي والدرويش الذي يحوّل النحاس إلى ذهب في حرم أمير المؤمنين عليه السلام.
هل الولايةُ تنافي التوحيدَ؟!
3ونحن نجد وندرك بالوجدان موجودات كثيرة بأشكال وسجايا متنوّعة، في الآفاق وفي الأنفس؛ وهذه كلّها خلقت مع الولاية؛ أي: لا فجوة ولاحجاب بينها وبين ذات الحقّ المقدّسة إلّا وجودها وكيانها وتعيّنها. ولو صادف أحيانًا وجود شيء بينها وبين الحقّ غير تعيّنها وماهيّتها، لاستحال الخلق في هذه الحالة، ولفصمت عرى الارتباط بين الله والموجودات.
إنّ الموجودات كلّها مع الله؛ ومرتبطة به، بل إنّ وجودها هو عين ارتباطها؛ وهذا هو معنى الوَلاية.
إذَن، وجود كلّ موجود ملازم للولاية؛ والولاية لله الحقّ، وولايته مع كلّ موجود. ومن هنا نفهم حسنًا قوله تعالى: {وهُوَ مَعَكُمْ أيْنَمَا كُنتُمْ}۱، وقوله تعالى: {على كلّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} وَ {بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ}.٢
وندرك جيّدًا أيضًا كيف يكون الوليّ أحد أسماء الله، لأنّ ما يلزمه هذا الاسم هو وجود ولايته مع الموجودات جميعها، كالعليم، والقدير، والسميع، والبصير، ونفهم جيّدًا أيضًا ما هو المعنى الذي تحمله الآيات الكريمة التي تنسب الولاية إلى الله. قال تعالى: {قُلْ أغَيْرَ اللهِ أتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ}٣ أي: أنّ ما يلزمه ويفرضه الخلق هو الولاية.
اتّصاف كلّ الموجودات بمقدار من الولاية
ولمّا كنّا نعلم أنّ اختلاف الموجودات في قربها من الحقّ تعالى وبعدها عنه هو اختلاف حجُبهم؛ أي: كثرة التعيّنات وقلّتها؛ أو بكلمة بديلة، اتّساع الماهيّات والحدود والقيود الوجوديّة أو ضيقها، وأنّ عالم الكثرة والوجود ظهر بهذا الشكل الباهر الجميل وفقًا لذلك الاختلاف، فلا يتكافأ ـ إذَن ـ حظّ الموجودات كلّها من الولاية، كما لا يتكافأ حظّها من علم الحقّ وحياته وقدرته. وكلّما كان الموجود إلى الحقّ أقرب، وماهيّته أوسع، ووجوده أفسح، وتجرّده أكثر، كانت ولايته أكثر، أي: كان حجابه أقلّ؛ وكلّما كانت ماهيّته أضيق، ووجوده أصغر، وتجرّده أقل، كانت ولايته أقل؛ أي: كان حجابه أكثر.
ولمّا كنّا نعلم أنّ شدّة الولاية متلازمة مع شدّة النور والعلم والحياة والقدرة وسائر أسماء الله الاخرى؛ فإنّ ضعفها يتلازم مع ضعف النور والعلم والأسماء الإلهيّة الأخرى. ولذلك فإنّ كلّ موجود أقرب إلى الله عمومًا، أي: أنّ حجابه أقلّ وولايته أقوى؛ فإنّ شعاع نوره وحياته وعلمه وقدرته يمتدّ في العالم أكثر، وإحاطته أشدّ وأشمل وسيطرته وهيمنته على ما سوى الله أكثر، وتدبيره وتكفّله في عالم الإمكان أوسع؛ وبكلمة بديلة، فإنّ مقدارًا كبيرًا من الموجودات الممكنة يقع تحت إشعاع نوره، وفي قبضته وتدبيره والعكس بالعكس.
- الآية ٥، من السورة ٥۷: الحديد.
- [سُئِلَ أمير المؤمنين عَلَيْهِ السَّلَامُ: بِمَ عَرَفْتَ رَبَّكَ؟!
قَالَ: بِمَا عَرَّفَنِي نَفْسَهُ!
قِيلَ: وكَيْفَ عَرَّفَكَ نَفْسَهُ؟!
قَالَ: لَا يُشْبِهُهُ صُورَةٌ ولَا يُحَسُّ بِالحَوَاسِّ سُئِلَ أمير المؤمنين عَلَيْهِ السَّلَامُ: بِمَ عَرَفْتَ رَبَّكَ؟!
قَالَ: بِمَا عَرَّفَنِي نَفْسَهُ! قِيلَ: وكَيْفَ عَرَّفَكَ نَفْسَهُ؟!
قَالَ: لَا يُشْبِهُهُ صُورَةٌ ولَا يُحَسُّ بِالحَوَاسِّ ولَا يُقَاسُ بِالنَّاسِ. قَرِيبٌ في بُعْدِهِ بَعِيدٌ في قُرْبِهِ. فَوْقَ كُلِّ شَيءٍ ولَا يُقَالُ: شَيءٌ فَوْقَهُ، أمَامَ كُلِّ شَيءٍ ولَا يُقَالُ: لَهُ أمَامٌ.
دَاخِلٌ في الأشْيَاءِ لَا كَشَيءٍ دَاخِلٍ في شَيءٍ؛ وخَارِجٌ مِنَ الأشْيَاءِ لَا كَشَيءٍ خَارِجٍ مِنْ شَيءٍ.
سُبْحَانَ مَنْ هُوَ هَكَذَا ولَا هَكَذَا غَيْرُهُ ولِكُلِّ شَيءٍ مُبْتَدئٌ معرفة الله، ج٢، ص: ٩٤]. - الآية ۱٤، من السورة ٦: الأنعام.

