أهم محتويات المقالة: - تنبيهات حول مسائل الفطرة والأحكام المعتمدة عليها؛ *عدم قدرتنا على اكتشاف جزئيات الفطرة من غير طريق الشرع؛ *الفطرة هى ما طابق العقل الإنسانى دون العقل الحيواني؛ *أين تصحّ قاعدة كلّ ما حكم به الشرع حكم به العقل وعكسها؟؛ *الأحكام الاضطرارية فطرية كالأحكام الأخرى؛ - خلاصة.
تنبيهات حول مسائل الفطرة
7و نلحظ في هذه الآيات ونظائرها أنّ الله سبحانه جعل حكمَين مختلفين لموضوع ومتعلّق واحد، الحكم الأوّليّ في حال عدم الاضطرار وهو الحرمة، والحكم الثانويّ حال الاضطرار وهو الإباحة والجواز، فأيّ حكم من هذين الحكمين يا تُرى يطابق الفطرة؟
لقد عرفنا أنّ المراد بالحكم الفطريّ ليس ذلك الحكم التابع لأهوائنا ومشتهياتنا النفسيّة ورغباتنا الأوّلية، بل هو الحكم الذي يمثّل الواسطة للوصول إلى الغاية والهدف المنشود من الخلقة. وعلى هذا، فإنّ حكم المحاربة والدفاع والجهاد سيكون فطريّاً، لأنّه يقود الإنسان إلى الكمال المطلوب وسعادة الدنيا والآخرة والوصول إلى عزّ الإنسانيّة، وكذلك فإنّ صيام أيّام الصيف الحارّ وقيام ليالي الشتاء البارد، والحجّ والعمرة في تلك البلاد الحارّة القاحلة ستكون كلها فطريّة، لأنّها توصل الإنسان إلى الكمال الحقيقيّ، ولو لم يرغب بها الطبع الأوّليّ للإنسان ولم يرتضها في قرارة نفسه، أو أجراها على نحو الإكراه. وسنعرف في هذه الحال أنّ قسمي الحكم الاضطراريّ وغير الاضطراريّ مطابقان لحكم الفطرة، لأنّ كلّا منهما حسب دوره وظرفه الخاصّ يتكفّل بإيصال الإنسان إلى كماله وسعادته.
أمّا عند الاختيار وانتفاء القحط والمجاعة و وفور أنواع الأغذية المحلّلة، فمن الواضح أنّ أكل لحم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أُهلّ لغيرالله به أمر مخالف للفطرة، لأضراره المادّيّة والجسميّة من جهة، ولأضراره الروحيّة والمعنويّة من جهة أخرى. ولذلك فإنّ حكم الفطرة ينطبق مع الشرع.
و أمّا في حال الاضطرار، فباعتبار أنّ حياة الإنسان ستكون منوطة بالتناول من الأغذية المحرّمة بمقدار رفع الضرورة، فإنّ من البديهيّ الحتميّ أن يكون ذلك جائزاً في الشريعة الكاملة، لأنّ الأكل بمقدار سدّ الرمق موجب لبقاء الحياة وحفظها، وبقاء الحياة مع تناول هذه الموادّ المحرّمة أفضل وأولى من استقبال الموت بتركها، لذا فحكم الفطرة المجعول والمعتبر على أساس المصالح والمفاسد الواقعيّة يتطابق هنا أيضاً مع حكم الشرع.
و نجد في بعض الموارد أنّ الأحكام الخمسة: الوجوب، الاستحباب، الإباحة، الكراهة والحرمة تُجعل جميعاً لمتعلّق واحد، كما في النكاح والزواج مثلًا الذي هو في حدّ ذاته أمر وسنّة مستحبّة.
أمّا حين تغلب الشهوة وينتفي السبيل المشروع لإشباع الغريزة، ومع خوف الوقوع في التهلكة والضرر والإصابة بالأمراض الجسميّة أو النفسيّة، فإنّ هذه الأمور تجعل النكاح أمراً واجباً.

