أهم محتويات المقالة: - تنبيهات حول مسائل الفطرة والأحكام المعتمدة عليها؛ *عدم قدرتنا على اكتشاف جزئيات الفطرة من غير طريق الشرع؛ *الفطرة هى ما طابق العقل الإنسانى دون العقل الحيواني؛ *أين تصحّ قاعدة كلّ ما حكم به الشرع حكم به العقل وعكسها؟؛ *الأحكام الاضطرارية فطرية كالأحكام الأخرى؛ - خلاصة.
تنبيهات حول مسائل الفطرة
6أين تصحّ قاعدة كلّ ما حكم به الشرع حكم به العقل وعكسها؟
التنبيه الثالث: بشأن قاعدتي الملازمة المبحوثتين في علم أُصول الفقه:
الأولى: كُلُّ مَا حَكَمَ بِهِ الشَّرْعُ حَكَمَ بهِ العَقْلُ.
الثانية: عكسها: كُلُّ مَا حَكَمَ بهِ العَقْلُ حَكَمَ بهِ الشَّرْعُ.
فهل هاتان القاعدتان أو إحداهما صحيحة بشكل عامّ وكلي، أم أنّ هذه الملازمة غير تامّة؟
يمكن الحصول على إجابة هذا السؤال ممّا ذكرناه من انطباق حكم الفطرة مع حكم العقل الإنسانيّ والحكم الشرعيّ، لأنّه إن أريد من كلمة العقل في هاتين القاعدتين هذه العقول النظريّة العامّة التي يمتلكها عامّة البشر، فيستخدمونها لتنسيق أُمورهم البيتيّة وتنظيم مجتمعهم ومدنيّتهم، فلن يكون صحيحاً بشكل كلّيّ أيٌّ من هاتين الملازمتين، لأنّنا نرى في كثير من الموارد أنّ للعقلاء حكماً ما لكنّ الشرع يورد خلافه، كما في المعاملات الربويّة وأُسس معاملات البنوك، وكالتلقيح والحمل بحقن نطفة رجل أجنبيّ في رحم امرأة لا يربطها به عقد شرعيّ، ومثل تبنّي طفل أجنبيّ وإصدار شهادة الجنسيّة له ومعاملته معاملة الابن الحقّيقيّ في جميع المراتب، وكثير من أمثال هذه المسائل، في حين يمتلك الشرع وجهة نظر مخالفة كلّيّاً.
أمّا إن كان المراد من كلمة العقل نفس العقل الإنسانيّ الحقّيقيّ الموجود للأنبياء والأئمّة بلحاظ الجانب الملكوتيّ والعلويّ للإنسان، لا بلحاظ حيوانيّته وبهيميّته، وحيث إنّ: «العَقْل مَا عُبِدَ بهِ الرَّحْمنُ واكْتُسِبَ بهِ الجِنَانُ»۱؛ فإنّ كلا القاعدتين والملازمتين ستكون صحيحة، إذ ليس هناك من حكم عقليّ فطريّ إلّا وهناك حكم شرعيّ يطابقه ويوافقه، والعكس صحيح، وهذا هو معنى أنّ دين الإسلام هو دين الفطرة: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لَلدِّينَ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ التي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا.}٢
الأحكام الاضطرارية فطرية كالأحكام الأخرى
التنبيّه الرابع: يشاهد في بعض الموارد أنّ هناك لموضوع أو متعلّق واحد حكمين مختلفين، كالوجوب والحرمة، كما في موارد الاضطرار مثلًا، حيث يصبح الحرام حلالًا: مَا مِن شَيْءٍ حَرَّمَهُ اللهُ إلَّا وقَدْ أحَلَّهُ عِنْدَ الاضْطِرَارِ إِلَيْهِ. كأكل لحم الميتة والدم ولحم الخنزير وذبيحة غير المسلمين المحرّمة في الحالات العاديّة، لكنّه يصبح حلالًا عند الاضطرار:
{إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الْخِنزِيرِ ومَآ اهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ ولَا عَادٍ فَلآ إِثْمَ عَلَيه إنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.٣
- «أُصول الكافي» ج ۱، ص ۱۱.
- صدر الآية ٣۰، من السورة ٣۰: الروم.
- الآية ۱۷٣، من السورة ٢: البقرة.

