أهم محتويات المقالة: - تنبيهات حول مسائل الفطرة والأحكام المعتمدة عليها؛ *عدم قدرتنا على اكتشاف جزئيات الفطرة من غير طريق الشرع؛ *الفطرة هى ما طابق العقل الإنسانى دون العقل الحيواني؛ *أين تصحّ قاعدة كلّ ما حكم به الشرع حكم به العقل وعكسها؟؛ *الأحكام الاضطرارية فطرية كالأحكام الأخرى؛ - خلاصة.
تنبيهات حول مسائل الفطرة
3و ينبغي على المريض أن يلتزم بالتعبّد المحض مقابل أقوال الطبيب، وإلّا فإنّ تخطّيها وتجاوزها سيعدّ تمرّداً واتّباعاً للرأي الشخصيّ ومستلزماً للهلاك، وهو أحد مصاديق الانتحار، ومعلوم أنّ الانتحار حرام عقلًا وشرعاً، لذا فإنّ رأي الطبيب صحيح ورأي المريض خطأ.
و الأمر في الأمور الشرعيّة كما هو في أمر الطبيب الحاذق العارف ببواطن أُمور البدن وتركيبه وأفعاله وردود فعله، وخواصّ الدم، وتركيب السمّ والترياق، وأخيراً فهو مطّلع على مجموع حالات المريض وكيفيّة تأثير الدواء؛ فالشارع المقدّس مطّلع بأحسن وجه وأكمل طريق على جميع الأحوال المادّيّة والروحيّة للمريض وكيفيّة معيشته وحياته وعافيته المطلقة، وصحّة وسلامة نفسه، وتمتّعه بجميع المواهب الإلهيّة والاستعدادات الفطريّة، وكيفيّة جعلها فعّالة في جميع الشؤون الفرديّة والاجتماعيّة. والإيصال إلى ساحة قدس الحبيب على الإطلاق والفناء في ذاته المقدّسة. لذا، ينبغي متابعة النبيّ و وصيّه، واتّباع الإمام الحيّ، وإلّا فإنّ المخاطر ستواجه البشر بشكل حتميّ وقطعيّ، وسينزل بنا بسبب عدم التمسّك بميثاق النبوّة وحبلها ما نزل بالمجتمعات الكبيرة والأمم المتمدّنة في عالمنا الحاضر، فقد كانوا سعداء جذلين مبهورين بأضواء الدنيا الزائفة، مشغولين كالأطفال بالتفرّج على صندوق العجائب، فخسروا بلا مقابل جميع مزاياهم الأخلاقيّة والروحيّة وسجاياهم الفطريّة وغرائزهم الموهوبة من قبل الله، بل خسروا حتى صحّة المزاج الطبيعيّ وهدوء البال وراحة الفكر، فلم يربحوا في مقامرتهم هذه، بل كانوا هم الأخسرين، وعلى قول إقبال الباكستانيّ:
دل ودين باختهاى تا هنر آموختهاى *** آه از اين دُرّ گرانمايه كه درباختهاى يقول: «لقد خسرتَ روحك ودينك حتى تعلّمت فنّاً، فيا للحسرة على ذاك الدرّ الثمين الذي خسرته».
و يتّضح من هذا البيان أنّ ما ذكره بعض دعاة التجدّد المبهورون بالغرب في معنى خاتميّة الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ من «أنّ العلوم البشريّة اليوم في حالة تزايد وتكامل، لذا فلا حاجة للبشر إلى نبيّ؛ لأنّ البشر يستطيعون بقواهم العقليّة وبحوثهم العلميّة أن يديروا أُمورهم بلا واسطة للرسول» ـ هو قول سخيف لا اعتبار له.
وينبغي العلم أنّ مرادنا بعدم قدرة العقل على اكتشاف الأحكام الفطريّة كما أشرنا قبل قليل، هو عدم قدرته على اكتشاف جزئيّات وتفاصيل الأحكام، ولا يمكن قبول الادّعاء بأنّ البشر يمكنه بعقله استخراج واستنباط الأحكام الفطريّة، إذ هو قول جزاف. أمّا في الأسس والأحكام الكلّيّة التي يتوافق البشر عليها، كحسن الإحسان إلى المحسن، وحسن الإيثار، والإنفاق على الغير في الموارد الصحيحة، أو قبح الكذب المضرّ وحسن الصدق النافع، وحسن العدالة وقبح الظلم، وكغريزة النزوع إلى المبدأ، وسائر الأحكام من هذا القبيل، فهي أحكام فطريّة يمكن إدراكها، بل إنّها من أوّل الأشياء التي يصل إليها العقل ويدركها، لأنّ الفطرة إن اعتُبرت بمعنى كيفيّة الخلق والبنية الوجوديّة الخاصّة للإنسان، فإنّ أُسسها عموماً ستكون قابلة لإدراك البشر وجداناً في بعض مواردها، ولو كانت هذه الأسس والأصول جملةً غير قابلة لإدراك البشر وفهمهم فإنّ ذلك يؤدّي إلى نفي الغرض، وسيصبح الادّعاء بأنّ أحكام الدين فطريّة أمراً لا معنى له، لأنّ الأحكام ستكون ما يأمر به الدين ويقوله، وهذا يستلزم الدور.

