انقطع الاتصال بالخادم. جارٍ إعادة المحاولة...

يتعذّر إنشاء الاتصال.

تم رفض الاتصال من قبل الخادم.

يتم تشغيل هذا الملف الصوتي
جارٍ التحميل...
00:00:00
صورة

معنى الاعتباريات والحقائق والعلاقة بينهما‏

16٬084
العقائد

تتميمًا وتوضيحًا لفطرية التشريعات الدينيّة والتي هي من اعتبار الله وجعله، بحث العلماء معنى الاعتباريّات والحقائق والعلاقة بينهما، وذلك ليدفعوا شبهة تطوّر وتبدّل تشريعات الدين بحجّة أنّها محض اعتبارات إلهيّة يعتبرها كيف يشاء. وبهذا البحث يتبيّن أنّ تشريعات الدين وإن كانت اعتباريّة إلا أنّ اعتبارها مطابق لواقع الإنسان الخارجي وحاجاته الحقيقيّة، ولذلك لا بدّ أن تكون الشريعة ثابتة.

معنى الاعتباريات والحقائق والعلاقة بينهما‏

8
  • وأمّا ما يُقال مِن أنّه: كما أنّ قضيّة الخلق والتكوين منوطةٌ بمشيئة الله وإرادته، فكذلك مسألة التشريع ـ والتي هي عبارة عن جعلٍ من الجاعل واعتبارٍ من المعتبر لنحو التكليف ـ هي الأخرى خاضعةٌ لإرادة الله عزّ وجلّ واختياره، وله الحقّ في أن يعتبر ما يشاء كيف يشاء، سواءً أوافق التكوين أم خالفه، وليس لأحدٍ أن يسأل. فهو قولٌ عارٍ عن الصحّة، ولا يرقى لمرتبة التحقيق.

  • وأمّا معنى الآية الشريفة: {لَا يُسئَلُ عَمَّا يَفعَلُ وَهُم يُسئلُونَ}۱ ، فهو أنّ مسؤوليّة الإجابة على الأفعال هي على عهدة المكلّفين، وليست على عهدة حضرة الحقّ؛ لأنّ مقام المُكلّف في قبال التكليف هو مقام الاختيار والانتخاب، أمّا مقام إرادة حضرة الحقّ عزّ وجلّ ومشيئته وفعله، فلا يقتضي أن يختار سبحانه أحدَ طرفي الوجود والعدم على أساس الأرجحيّة ورعايةِ المصالح والمفاسد النفس الأمريّة، ولا يستلزم انطباق الفعل على أساس تلك المصالح والمفاسد. وإنّما نفس إرادة حضرة الحقّ ومشيئته موجبةٌ ومولّدةٌ ومنشئةٌ للصلاح والرجحان، فالصلاح والفضيلة والخير هي أمورٌ منتزعة ومنبعثة من نفس فعليّة أفعال الحقّ عزّ وجلّ، بعكس أفعال المكلّفين وتصرّفاتهم.٢

  • بل إنّ المقصود والمراد مِن انحصار مسألة التشريع والجعل واختصاصها بدائرة وحريم إرادة الله عزّ وجلّ، هو أنّه سبحانه وتعالى هو الأصل والمبدأ والفاعل لعالم الوجود؛ ولذا يجب حقًا وحقيقةً أن تكون حيثيّة المولويّة وأن تكون شأنيّة التشريع منحصرتان باختياره ومشيئته عزّ وجلّ وذلك بناءً لمِلاك العقل والانطباق مع نفس الأمر. وهذه المسألة ليس فيها أيُّ مقتضٍ يقتضي مخالفة التشريع مع التكوين وكيفيّته، بل إنّ مقتضى الحكمة البالغة للحقّ عزّ وجلّ، ومقتضى كونه العلّة الغائيّة لخلق المخلوقات هو نفس ذلك البيان النفيس والشريف الوارد في الكتاب المبين: {قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَٰمُوسَىٰ ، قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِيٓ أَعطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلقَهُۥ ثُمَّ هَدَىٰ}.٣ أو الآية الشّريفة: { مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذُ بِنَاصِيَتِهَآ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَٰط مُّستَقِيم}.٤ أو الآية الشّريفة: { قُل أَغَيرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّا فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرضِ وَهُوَ يُطعِمُ وَلَا يُطعَمُ قُل إِنِّيٓ أُمِرتُ أَن أَكُونَ أَوَّلَ مَن أَسلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلمُشرِكِينَ}.٥ 

    1. سورة الأنبياء (٢۱) ، الآية ٢٣. 
    2. قال سماحة السيد محمّد محسن في توضيح هذا الموضوع في كتابه أسرار الملكوت ج٢، ص ٣٣۱ـ ٣٣٤: إنّ ذات الحقّ تعالى ليست بحاجةٍ إلى التفكّر والتأمّل وإعمال الرويّة في فعلها وخلقها للحوادث، كما أنّ أفعاله لا تقوم على أساس تطابقها مع المصالح الواقعيّة، بل المصلحة تأتي في مرحلةٍ متأخّرةٍ عن فعل الحقّ وخلقه لا في مرحلةٍ متقدّمةٍ. وبعبارةٍ أخرى نقول: إنّ المصلحة في أعمالنا وأفعالنا نحن تأتي بعنوان العلّة الغائيّة لهذه الأفعال، إلّا أنّها في أفعال الباري ليس لها علّية بل هي تقع معلولةً لفعل الحقّ، ففعل الحقّ هو العلّة الموجدة للمصلحة، لا أنّ المصلحة هي العلّة الموجدة لفعله وإرادته تعالى.
      وإذا أردنا أن نضـرب مِثالًا تقريبـيًّا لهذه المسألة في حدود أفعالنا وتصـرّفاتنا نأخذ مثال اليد وحركتها التي هي معلولةٌ لإرادة الإنسان ومشيئته. فعندما يريد الإنسان أن يأخذ شيئًا، فإنّه يحرّك يده فيأخذ ذلك الشيء. في هذا المثال نقول: لا تُعتبر نفس حركة اليد علّةً غائيّةً للإنسان، بل إنّ العلّة الغائية له هي أخذ ذاك الشيء المراد أخذه باليد، وحركة اليد في هذه الحالة عبارةٌ عن أمرٍ معلولٍ لإرادة الإنسان واختياره، فإذا لم يُردْ الإنسان أن يأخذ ذلك الشيء، فلن تتحرّك يده نحوه أبدًا.
      ولكن في بعض الأحيان تُعتبر نفس حركة اليد علّةً غائيّةً، كما إذا أراد الإنسان أن يرى يده هل تتحرّك أو لا، فقام ـ لاكتشاف هذا الأمر ـ بتحريك يده، ففي هذه الحالة صارت حركة اليد علّةً غائيّةً للحركة، بعكس الفرض الأول حيث كانت معلولةً لها.
      إنّ مسألة المصلحة في فعل الحقّ هي من قبيل مسألة الحركة في الفرض الأوّل، بمعنى أنّ المصلحة ليست علّةً غائيّةً لفعل الحقّ بل هي معلولةٌ له. أمّا نحن، فنتصوّر أن الحقّ تعالى قد خلق الأشياء على أساس المصلحة والانطباق على الواقع، وهذا غلطٌ.... فالحقّ تعالى قد خلق عالم الوجود لا لأجل أنّه شعر بوجود مصلحةٍ وفائدةٍ في عالم الوجود فخلقَ الكائنات من أجل الوصول إلى تلك المصلحة والفائدة، بل بسبب أنّ جميع عالم الوجود وتمام آثاره ناشئة من وجوده، وذاتُه هي التي تفيض الوجود على المراتب التي دون مرتبة ذات الحقّ؛ إذن فالغاية والعلّة لوجود المخلوقات عبارةٌ عن ذات الحقّ تعالى، لا شيءٌ آخر خارج عن ذاته. وكل من يكون فاعليّته لخلق شيءٍ آخر وإيجاده على هذا النحو، فهو فاعل هذا الشـيء وهو غايته ومقصده...
      وقد ورد في الحديث القدسي:
      «يا ابن آدم خلقت الأشياء لأجلك (كي تصل إلى الكمال) وخلقتك لأجلي (كي أرى فيك وجود ذاتي وآثارها)» (انظر: شرح الأسماء الحسنى (للسبزواري) ، ج ۱، ص ۱٣٩؛ كلمة الله، ص ۱٦٩ ، ؛ معرفة الله (للعلّامة الطهراني) ، ج ۱، ص ۱٩۰).
      وبناءً على ذلك، فمسألة الغاية تختلف عن مسألة تطبيق الفعل على أساس المصلحة، فالمصلحة بالمعنى المذكور منتفية في حقّ أفعال الباري تعالى، ومع ذلك، فإنّ لأفعاله غاية وهدفًا.
    3. سورة طه (٢۰) ، الآيتان ٤٩ و٥۰.
    4. سورة هود (۱۱) ، ذيل الآية ٥٦.
    5. سورة الأنعام (٦) ، الآية ۱٤.
/ 380