
معنى الاعتباريات والحقائق والعلاقة بينهما
تتميمًا وتوضيحًا لفطرية التشريعات الدينيّة والتي هي من اعتبار الله وجعله، بحث العلماء معنى الاعتباريّات والحقائق والعلاقة بينهما، وذلك ليدفعوا شبهة تطوّر وتبدّل تشريعات الدين بحجّة أنّها محض اعتبارات إلهيّة يعتبرها كيف يشاء. وبهذا البحث يتبيّن أنّ تشريعات الدين وإن كانت اعتباريّة إلا أنّ اعتبارها مطابق لواقع الإنسان الخارجي وحاجاته الحقيقيّة، ولذلك لا بدّ أن تكون الشريعة ثابتة.
معنى الاعتباريات والحقائق والعلاقة بينهما
7والدِّين هو نفس الحركة في ظلّ المعايير والمِلاكات الفِطريّة وعدم إهمالها ولو في موطنٍ واحدٍ من المواطن التي أُودعت في الإنسان، وتعبير الآية الشّريفة: {ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلقَيِّمُ } يحكي عن هذا المعنى.
ومِن هنا، لمّا كانت الفطرة الإنسانيّة ثابتةً لا تتغيّر عمّا هي عليه في أصلِ الخِلقة، فإنّ الدِّين هو الآخر ثابتٌ لا يتغيّر؛ لأنّه يمثّل الكيفيّة لجميع أفعال المكلّفين وحركاتهم وتكاليفهم، أي: ينبغي للقواعد الكليّة العامّة للدِّين وكذلك ينبغي للفروع أن تكون موضوعةً من أجل تحقيق الكمال والفعليّة وفق الحاجة الفطريّة للبشر بواسطة تلك المِلاكات الثابتة التي لا تتغيّر. ولذا تصرِّح الآية الشّريفة الواردة في سورة الشّورى قائلةً:
{شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِۦ نُوحا وَٱلَّذِيٓ أَوحَينَآ إِلَيكَ وَمَا وَصَّينَا بِٓه إِبرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰٓ أَن أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ كَبُرَ عَلَى ٱلمُشرِكِينَ مَا تَدعُوهُم إِلَيِه ٱللَّهُ يَجتَبِيٓ إِلَيهِ مَن يَشَآءُ وَيَهدِيٓ إِلَيهِ مَن يُنِيبُ}۱
نعم يُمكن وقوع بعض الاختلافات في بعض فروع الأحكام، ففي سورة المائدة يقول تعالى:
{وَأَنزَلنَا إِلَيكَ الكِتَٰبَ بِالحَقِّ مُصَدِّقا لِّمَا بَيَن يَدَيهِ مِنَ ٱلكِتَٰبِ وَمُهَيمِنًا عَلَيهِ فاحكُم بَينَهُم بِمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِع أَهوَآءَهُم عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلحَقِّ لِكُلّ جَعَلَنا مِنكُم شِرعَة وَمِنهَاجا وَلَو شَاءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُم أُمَّة وَٰحِدَة وَلَٰكِن لِّيَبلُوَكُم فِي مَآ ءَاتَىٰكُم فَاستَبِقُواْ الخَيرَٰتِ إِلَى ٱللَّهِ مَرجِعُكُم جَمِيعا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُم فِيهِ تَختَلِفُونَ}٢.
وقد عبّر أميرُ المؤمنين عليه السلام عن بعثة الأنبياء وحقيقة التّشريع بهذا النحو من التعبير:
«واصْطَفَى سُبْحَانَهُ مِنْ وُلْدِهِ ٣ أَنْبِيَاءَ أَخَذَ عَلَى الْوَحْيِ مِيثَاقَهُمْ، وعَلَى تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ أَمَانَتَهُمْ لَمَّا بَدَّلَ أَكْثَرُ خَلْقِهِ عَهْدَ اللَّهِ إِلَيْهِمْ؛ فَجَهِلُوا حَقَّهُ، واتَّخَذُوا الْأَنْدَادَ مَعَهُ، واجْتَالَتْهُمُ٤ الشَّيَاطِينُ عَنْ مَعْرِفَتِهِ، واقْتَطَعَتْهُمْ عَنْ عِبَادَتِهِ؛ فَبَعَثَ فِيهِمْ رُسُلَهُ، ووَاتَرَ إِلَيْهِمْ أَنْبِيَاءَهُ لِيَسْتَأْدُوهُمْ مِيثَاقَ فِطْرَتِهِ، ويُذَكِّرُوهُمْ مَنْسِيَّ نِعْمَتِهِ، ويَحْتَجُّوا عَلَيْهِمْ بِالتَّبْلِيغِ، ويُثِيرُوا لَهُمْ دَفَائِنَ الْعُقُول إلخ».٥
ومِن هنا، فلا يمكن أن يتعارض أو يتناقض وجود وبعثة الحجج الإلهيّين ـ الذين يُعبّر عنهم بالعقل المُنفصِل ـ مع المِلاكات الفطريّة للبشر وأصول تلك المباني. وبعبارةٍ أخرى: إنّ انطباق التشريع مع كيفيّة التكوين، هو أصلٌ أوليٌّ وقاعدةٌ أولى مسلّمةٌ مفروغٌ عنها في تدوين الأحكام.
- سورة الشورى (٤٢) ، الآية ۱٣.
- سورة المائدة (٥) ، الآية ٤۸.
- والضمير يعود إلى آدم عليه السلام الذي ورد ذكره قبل هذه الفقرة. (م)
- اجتالتهم: صرفتهم عن قصدهم. (م)
- نهج البلاغة (محمّد عبده) ، ج۱، ص٢٣، الخطبة۱.
