
معنى الاعتباريات والحقائق والعلاقة بينهما
تتميمًا وتوضيحًا لفطرية التشريعات الدينيّة والتي هي من اعتبار الله وجعله، بحث العلماء معنى الاعتباريّات والحقائق والعلاقة بينهما، وذلك ليدفعوا شبهة تطوّر وتبدّل تشريعات الدين بحجّة أنّها محض اعتبارات إلهيّة يعتبرها كيف يشاء. وبهذا البحث يتبيّن أنّ تشريعات الدين وإن كانت اعتباريّة إلا أنّ اعتبارها مطابق لواقع الإنسان الخارجي وحاجاته الحقيقيّة، ولذلك لا بدّ أن تكون الشريعة ثابتة.
معنى الاعتباريات والحقائق والعلاقة بينهما
6فبعد اطّلاع الإنسان على المسائل العلميّة فإنّه يجعلها دوماً صغرى البرهان، ثمّ يضع حكماً عقليّاً يرتّبه بنفسه بعنوان كبرى المسألة، فيشكّل منهما برهاناً صحيحاً و يصل إلى النتيجة المطلوبة.
فالصغرى مثل: تناول السمّ موجب لزوال الحياة؛ و الكبرى مثل: كلما أوجب زوال الحياة يجب اجتنابه. و نتيجتهما: أنّ تناول السمّ لازم الاجتناب.
و قد أشار العلّامة بوضوح أنّ عمل الطبيعة و الفطرة لا يكفي لوحده في استخدامها، بل ينبغي ضمّ الاختيار و الإرادة لذلك، فإن نحن أوكلنا الزمام عند ذلك بيدِ العقل النظريّ و الشعور الإنسانيّ الذي تشاركنا فيه الحيوانات في كثير من الجهات، فإنّ هناك احتمالًا كبيراً في انحراف سعي الإنسان عن طريق الفطرة و نهجها، أمّا إن أعطينا الزمام بيدِ العقل الإنسانيّ مِنْ حَيْثُ هُوَ إنسَانٌ، فإنّنا نضمن تحقّق الحكم الفطريّ و قيام العقل باستخدام هذه الأجهزة للوصول إلى كمال الإنسانيّة، و حينذاك سيوافق حكم العقل لمسائل الفطرة و تجهيزات الخلقة، و هو معنى: {فِطْرَتَ اللهِ التي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا.}۱ و ٢
نتيجة البحث وثبات الدين
إنّ وجود الإنسان يقوم ويتركّب على أسسٍ وقوانين دقيقةٍ ومجموعةٍ من الظواهر المختلفة والأمور المتنوعة سواءً أكان ذلك في حقيقة الإنسان التي تمثّل نفسه الناطقة أم في جسمه وظاهره الذي يمثّل مرتبةً نازلةً من مراتب تلك النفس؛ {لَقَد خَلَقنَا ٱلإِنسَٰنَ فِيٓ أَحسَنِ تَقوِيم}٣ . وهذا التركيب هو الذي يُخرج حقيقة النفس الناطقة من حالة وحيثيّة الاستعداد والقوّة إلى حالة وشأنيّة البلوغ والكمال والفعليّة. وقد عُبّر في لسان الشرع عن تلك المجموعة من الظواهر وذلك التركيب بالفِطرة، قال تعالى: { فَأَقِم وَجهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفا فِطرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيهَا لَا تَبدِيلَ لِخَلقِ ٱللَّهِ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعلَمُونَ}٤.
ولا شكّ أنَّ هذه الأمور ثابتةٌ ولا تتغيّر، وأنّها من اللوازم التي لا تنفك عن الطّبيعة الإنسانيّة والنّفس النّاطقة للآدميّ، بحيث إنّ ثبوت الموضوع مقتضٍ لثبوتها، كما أنّ نفي هذه اللوازم وعدم وجودها، يكشف عن زوال وانعدام تلك النفس الناطقة، وهذا المعنى هو الّذي أُشير إليه في الآية الشّريفة حين قالت: {لَا تَبدِيلَ لِخَلقِ ٱللَّهِ}.
- مقطع من الآية ٣۰ من السورة ٣۰ الروم.
- [نظرة على مقالة بسط و قبض نظرية الشريعة، ص: ٣۰٩].
- سورة التين (٩٥) ، الآية ٤.
- سور الروم (٣۰) ، الآية ٣۰.
