
معنى الاعتباريات والحقائق والعلاقة بينهما
تتميمًا وتوضيحًا لفطرية التشريعات الدينيّة والتي هي من اعتبار الله وجعله، بحث العلماء معنى الاعتباريّات والحقائق والعلاقة بينهما، وذلك ليدفعوا شبهة تطوّر وتبدّل تشريعات الدين بحجّة أنّها محض اعتبارات إلهيّة يعتبرها كيف يشاء. وبهذا البحث يتبيّن أنّ تشريعات الدين وإن كانت اعتباريّة إلا أنّ اعتبارها مطابق لواقع الإنسان الخارجي وحاجاته الحقيقيّة، ولذلك لا بدّ أن تكون الشريعة ثابتة.
معنى الاعتباريات والحقائق والعلاقة بينهما
4مثال الطوابع البريديّة
و الطوابع البريديّة لها أيضاً نفس الشأن، فدائرة البريد تعمد لتسهيل استلام النقود من الناس مقابل التزامها بإيصال رسائلهم و أماناتهم إلى مقاصدها إلى طباعة طوابع تُلصق على الشيء المرسَل بما يتناسب مع وزنه و بُعد مقصده و كونه من المطبوعات أو غيرها، فتقبل هذه الطوابع بمثابة إيصالات نقديّة.
ثمّ تقوم هذه الدائرة لتغطية ميزانيّتها الكلّيّة و رواتب موظّفيها و عمّالها و أُجور وسائل الحمل والنقل على اختلافها من الطائرة و السفينة و السيّارة و الدرّاجة الناريّة و الدرّاجة الهوائيّة، و في بعض القرى من البغال و الحيوانات المستعملة للنقل بحساب هذه الأمور و تقسم مجموعها على جملة المحمولات، فتصدر طوابع بريديّة للنقل داخل المدينة بقيمة ريال واحد مثلًا، و للنقل إلى المدن الأخرى بقيمة خمسة ريالات و إلى خارج الدولة بأكثر من ذلك، و تقوم بتعيين و اعتبار وتثبيت هذه الأسعار و تطبع الطوابع تبعاً لذلك و تبيعها.
و حين تستلم دائرة البريد الطرود۱ و تقوم بنقلها حسب تعهّدها و التزامها، فإنّها تختم عليها بختم البطلان، أي أنّها تُسقط تلك الطوابع من درجة الاعتبار و تُلغي اعتبارها منها، لأنّ التزام دائرة البريد و تعهّدها كان فقط إيصال تلك الطرود إلى مقاصدها، فتفقد تلك الطوابع البريديّة حينذاك قيمتها، فتستخدم لمعرفة تأريخ و اسم و صفات السلاطين المتوفّين؛ و تُجمع في دفاتر و مجاميع تثير الاعتبار و الاتّعاظ، أو تُلقى مع المهملات في صندوق النفايات.
لقد كان الاعتبار و مدّة الاعتبار و زمانه و كيفيّته و قيمته محدودة و مشروطة، و حين يختم على الأمور المعتبرة بختم البطلان، فإنّها ستبطل جميعاً و تنهار دفعة واحدة، و ليس في هذا الأمر استبداد و لا إعمال للرأي الشخصيّ لرئيس دائرة البريد في هذه الاعتبارات، لا بلحاظ القيمة و لا بلحاظ مدّة الاعتبار، فهم يمتلكون حقّ طبع و بيع و تعيين قيم هذه الطوابع ضمن دائرة محدّدة مرتبطة بمصالح الدولة و نفقات دائرة البريد، و مع أ نّ جميع أعمالهم هذه اعتبار محض، إلّا أنّه ليس اعتباراً جزافيّاً، لأنّهم بحكم عقلهم و درايتهم و حسن إدارتهم و صدقهم و أمانتهم لا يملكون أن يطبعوا يوماً ما و لمرّة واحدة طابعاً واحداً بقيمة ريال واحد وأن يقوموا باعتباره من غير داعٍ و سبب، وهم كذلك غير قادرين حتى في مورد واحد أن يقوموا بإبطال طابع واحد بقيمة ريال واحد و إسقاطه من الاعتبار و الختم عليه بالبطلان من غير داعٍ و سبب.
- [الطرد: ما يُرْسَلُ من البضاعة وغيرها في البريد ونحوه من ناحيةٍ إِلى أخرى وهو في الأَصل مصدرٌ ثم أُطْلِقَ عَلَى المَطْرُودِ].
