
حقيقة التوحيد في الكتاب والسنّة عند العلامة الطباطبائي
نفي الوحدة العدديّة عن الله
أهم محتويات المقالة: - مقدّمة في تاريخ البحث حول التوحيد والمعاني التي ظهرت له عبره؛ - البحث القرآنيّ؛ - البحث الروائي.
حقيقة التوحيد في الكتاب والسنّة عند العلامة الطباطبائي
10أقول: وهو من أبدع البيان، ومحصّل الشطر الأول من الكلام أنّ معرفته تنتهي في استكمالها إلى نفي الصفات عنه، ومحصّل الشطر الثاني المتفرع على الشطر الأول ـ أعني قوله عليه السلام: فمن وصف الله فقد قرنه (إلخ) - أنّ إثبات الصفات يستلزم إثبات الوحدة العدديّة المتوقّفة على التحديد غير الجائز عليه تعالى، وتنتج المقدّمتان أنّ كمال معرفته تعالى يستوجب نفي الوحدة العدديّة منه، وإثبات الوحدة بمعنى آخر، وهو مراده عليه السلام من سرد الكلام.
أما مسألة نفي الصفات عنه فقد بيّنه عليه السلام بقوله: «أوّل الدين معرفته» لظهور أنّ من لم يعرف الله سبحانه ولو بوجه لم يحلّ بعد في ساحة الدين، والمعرفة ربّما كانت مع عمل بما يرتبط بها۱ من الأفعال وترتّب آثار المعروف، وربما كانت من غير عمل، ومن المعلوم أنّ العلم فيما يتعلّق نوع تعلّق بالأعمال إنّما يثبت ويستقرّ في النفس إذا ترتّب عليه آثاره العمليّة، وإلا فلا يزال العلم يضعف بإتيان الأعمال المخالفة حتّى يبطل أو يصير سدى لا أثر له، ومن كلامه عليه السلام في هذا الباب
ـ و قد رواه في النهج ـ : «العلم مقرون بالعمل فمن علم عمل، والعلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل عنه».
فالعلم والمعرفة بالشيء إنما يكمل إذا أخذ العارف معروفه صدقًا، وأظهر ذلك في باطنه وظاهره، وجنانه وأركانه بأن يخضع له روحًا وجسمًا، وهو الإيمان المنبسط على سرّه وعلانيته، وهو قوله: «و كمال معرفته التصديق به».
ثمّ هذا الخضوع المسمّى بالتصديق به وإن جاز تحقّقه مع إثبات الشريك للربّ المخضوع له كما يخضع عبدة الأصنام لله ولسائر آلهتهم جميعًا، لكنّ الخضوع لشيء٢ لا يتمّ من غير انصراف عن غيره بالبداهة، فالخضوع لواحد من الآلهة في معنى الإعراض عن غيره والاستكبار في الجملة عنه، فلا يكمل التصديق بالله والخضوع لمقامه إلا بالإعراض عن عبادة الشركاء، والانصراف عن دعوة الآلهة الكثيرة، وهو قوله: «و كمال التصديق به توحيده».
ثمّ إنّ للتوحيد مراتب مختلفة بعضها فوق بعض، ولا يكمل حتى يعطى الإله الواحد حقّه من الألوهيّة المنحصرة، ولا يقتصر على مجرد تسميته إلها واحدًا بل ينسب إليه كلّ ما له نصيب من الوجود والكمال كالخلق والرزق والإحياء والإماتة والإعطاء والمنع، وأن يخصّ الخضوع والعبادة به فلا يُتذلّل لغيره بوجه من الوجوه، بل لا يرجى إلا رحمته، ولا يخاف إلا سخطه، ولا يطمع إلا فيما عنده، ولا يعكف إلا على بابه.
- [في الأصل: به].
- [في الأصل: بشيء].
