
حقيقة التوحيد في الكتاب والسنّة عند العلامة الطباطبائي
نفي الوحدة العدديّة عن الله
أهم محتويات المقالة: - مقدّمة في تاريخ البحث حول التوحيد والمعاني التي ظهرت له عبره؛ - البحث القرآنيّ؛ - البحث الروائي.
حقيقة التوحيد في الكتاب والسنّة عند العلامة الطباطبائي
12الخبر الثالث: كلّ مسمّى بالوحدة غيره قليل
وفي النهج: من خطبة له عليه السلام: «الحمد لله الذي لم يسبق له حال حالًا فيكون أولًا قبل أن يكون آخرًا، ويكون ظاهرًا قبل أن يكون باطنًا، كلّ مسمّى بالوحدة غيره قليل، وكلّ عزيزٍ غيرُه ذليل، وكلّ قويّ غيرُه ضعيف، وكلّ مالك ٍغيرُه مملوك، وكلّ عالم غيرُه متعلم، وكلّ قادر غيره يقدر ويعجز، وكلّ سميع غيره يصمّ عن لطيف الأصوات، ويصمّه كبيرهاو يذهب عنه ما بعد منها، وكل بصير غيره يعمى عن خفي الألوان ولطيف الأجسام، وكلّ ظاهر غيره باطن، وكلّ باطن غيره ظاهر».
أقول: بناء البيان على كونه تعالى غير محدود وكون غيره محدودًا؛ فإنّ هذه المعاني والنعوت وكلّ ما كان من قبيلها إذا طرأ عليها الحدّ كانت لها إضافة ما إلى غيرها، ويستوجب التحدّد حينئذ أن تنقطع وتزول عمّا أضيفت إليه، وتتبدّل إلى ما يقابلها من المعنى.
فالظهور إذا فرض محدودًا كان بالنسبة إلى جهة أو إلى شيء دون جهة أخرى وشيء آخر، وصار الأمر الظاهر باطنًا خفيا بالنسبة إلى تلك الجهة الأخرى والشيء الآخر، والعزّة إذا أخذت بحدّ بطلت فيما وراء حدّها فكانت ذلّة بالنسبة إليه، والقوّة إذا كانت مقيّدة تبدّلت بالنسبة إلى ما وراء قيدها ضعفًا، والظهور بطون في غير محلّه، والبطون ظهور في الخارج عن مستواه.
و المُلك إذا كان محدودًا كان من يحده مهيمنًا على هذا المالك؛ فهو وملكه تحت ملك غيره، والعلم إذا كان محدودًا لم يكن من صاحبه لأنّ الشيء لا يحدّ نفسه، فكان بإفاضة الغير وتعليمه، وهكذا.
و الدليل على أنه عليه السلام بنى بيانه على معنى الحد قوله: «و كل سميع غيره يصمّ عن لطيف الأصوات» (إلخ)، فإنّه وما بعده ظاهر في الإشارة إلى محدوديّة المخلوقات، والسياق واحد.
و أمّا قوله عليه السلام: «و كل مسمّى بالوحدة غيره قليل» ـ والجملة هي المقصودة من نقل الخطبة ـ فبناؤه على معنى الحدّ ظاهر؛ فإنّ الوحدة العدديّة المتفرّعة على محدوديّة المسمّى بالواحد لازمة تقسم المعنى وتكثّره، وكلّما زاد التقسّم والتكثّر أمعن الواحد في القلة والضعف بالنسبة إلى الكثرة الحادثة، فكل واحد عددي فهو قليل بالنسبة إلى الكثير الذي بإزائه ولو بالفرض.
