أهم محتويات المقالة: - لا تغيّر ولا تحوّل في عِلم حضرة الحق؛ - البداء هو انكشاف جهلنا بالنسبة إلى مجرى تأثير سلسلة العلل في عالم الخارج؛ - لا معنى للبداء في علم الإمام عليه السلام؛ - إخبار النبيّ عيسى عليه السلام عن موت الشابّ ودفع ذلك بالصدقة؛ - لا دليل حقّ يستند إليه الوقّاتون؛ - الاعتراض على عدم صلاة المرحوم العلاّمة لصلاة الليل حال مرضه وجواب ذلك.
حقيقة معنى البداء
2أعوذ باللـه من الشيطان الرجيم
بسم اللـه الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين
والصلاة والسلام على سيّدنا ونبيّنا أبي القاسم محمد
وعلى آله الطيبين الطاهرين
واللعنة على أعدائهم أجمعين
لا تغيّر ولا تحوّل في عِلم حضرة الحق
هناك مسألة في غاية الأهميّة، ولإدراكها آثار مباشرة على حياة الإنسان، ومفادها أنّ مراتب حقائق الأشياء متفاوتة في سلسلة عللها الوجوديّة، وأنّ حقيقة الوجود تتشخّص وتتعيّن في مقام الظهور والبروز ضمن سلسلة من العلل الفاعليّة والصوريّة لها وذلك بواسطة اسم"المريد"، وكلّ مرتبة من مراتب الظهور لها حكم العلّة الفاعليّة للمرتبة اللاحقة وصولاً إلى مرتبة الشهادة والتعيّن المادّي حيث تصل إلى منصّة الظهور، ويصبح لها وجود عينيّ خارجيّ في عالم المادّة والصورة. هذا بلحاظ تطوّر الوجود الصرف البسيط وتحوّله في عالم الأعيان والتشخّصات الخارجيّة.
وأمّا بلحاظ علم الحقّ تعالى بهذه التطوّرات، والتحوّلات والإشراف الحضوريّ لذات الباري على الآثار واللوازم والظلال المترشّحة عن مرتبة الذات، فيجب القول: أنّه لا سبيل هناك لحصول أيّ تبدّل وتحوّل أبداً، وأنّ الحقيقة العلميّة للباري تعالى بالنسبة لجميع هذه التحوّلات والتغييرات لا يطرأ عليها أيّ تغيير أو تبدّل، وأنّ الصورة العلميّة لا تتبدّل إلى صورة علميّة أخرى بحيث تمحى الصورة العلميّة الأولى من صفحة العلم الإلهي، بل إنّ جميع الصور الموجودة في مرتبتها العينيّة الحقيقيّة ـ والتي هي عبارة عن مرتبة عليّة الوجود الخارجي في عالم الأعيان والشهادة، أو في مرتبة المبدعات والأمور المجرّدة والعقلانيّة والنورانيّة ـ هي كلّها موجودة على منوال واحد وبدرجة واحدة ومرتبة واحدة ولها ثبوت أزلي بحيث لا يتطرّأ إليها التحوّل والتغيّر أبداً، وقد عبّر عنها في الآيات القرانيّة بـ "أمّ الكتاب"، كما ورد في الآية الشريفة: {يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ}.۱
أو كما في آية أخرى، حيث يقول: {وَإنّهُ فِي أُمّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ}.٢ وقد عبّر أيضاً عن ذلك بـ"اللوح المحفوظ" مقابل لوح المحو والإثبات؛ كما في الآية الشريفة: {بَلْ هُوَ قُرْآن مَجِيدٌ ، فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ}،٣ فإنّه في هذه المرتبة لا وجود لأي تغيير أو تحوّل، ولا طريق لأيّ محو أو إثبات، بل سوف تكون جميع الأشياء بصورتها العلميّة ثابتة في علم الحقّ الأزلي، وكل تغيّر وتحوّل يظهر في عالم المادّة، أو بحسب تعبير بعض الروايات من حصول البداء في إرادة الحق تعالى بالنسبة للصور العينيّة للأشياء، فهو مرتبط بعلمنا نحن، ومرهون بمحدوديّة سعتنا الوجوديّة في الإشراف على العوالم الربوبيّة والاطّلاع على سلسلة العلل الوقوعيّة للأشياء، لا أنّه مرتبط بعلم الحق تعالى وإرادته، وإلا فلازم هذا الكلام هو إثبات الجهل وعدم الاطلاع العلميّ للحقّ تعالى بالنسبة للإرادات المتعاقبة في كيفيّة الوجود الخارجي للأشياء.
- سورة الرعد (۱٣)، الآية ٣٩.
- سورة الزخرف (٤٣)، الآية ٤.
- سورة البروج (۸٥)، الآتين ٢۱ و ٢٢.

