أهم محتويات المقالة: - تاريخ المسألة؛ - العلة من وراء خلق الشيطان والشر؛ - الإشكالات الإبليسيّة الستّة التي أوردها شارح الإنجيل وإجابة العلاّمة على جميع الإشكالات المذكورة في قصّة إبليس؛ - إقرار علماء أهل السنة بالعجز والتحير أمام إشكالات الإبليسيّة؛ - أما الشبهة الأولى؛ - أما الشبهة الثانية؛ - الشبهة الثالثة؛ - الشبهة الرابعة؛ - الشبهة الخامسة؛ - أما الشبهة السادسة.
العدل الإلهي ومعضلة الشرور
3العلة من وراء خلق الشيطان والشر
إنّ أصل خلقة الشيطان خير؛ و إنّما خُلِقَ لامتحان البشر و اختبارهم حتى يتمكّن (أي البشر) من السير في الطريق الصعب و اللطيف في نفس الوقت، و ذلك في عالم التكليف و الأمر و النهي الإلهيّين بملء إرادته. فلولا الشيطان لاختَفتْ كلّ الاستعدادات و القابليّات في بوتقة الإجمال و الإبهام.-سواء أكان ذلك من ناحية الشيطان الداخلي و النفس الأمّارة أم من ناحية الشيطان الخارجيّ و إبليس اللعين- و لو كان العالم مملوء بدعوات الخير لانعدمت الحركة نحو الكمال، و لم تحصل النهضة باتّجاه ذُرى المعرفة و قممها. و لولا الشيطان لما كان هناك من خيرٍ أو شرّ أو تكليف أو أمر أو نهي، و ما كان للعاطفة و الحبّ و الجهاد من أثر يُذكَر.
و لولا الشيطان لما كان من وجود للشقاء أو السعادة أو الجنّة أو النار. و بالجملة فلو لم يوجد الشيطان ما وُجِدَت كلّ تلك العجائب و البدائع في الخلقة و الجمال البشريّ الواقعيّ الفتّان؛ و لولاه لتبدّل العالَم بأجمعه و لكان مختلفاً عمّا هو عليه الآن، كثير الشبه بسلسلة من الموجودات الثابتة غير العاشقة و غير المتحرّكة، كما هو الحال مع عالم الملائكة.
و في هذه الحالة، كان يكفي وجود عالَم الملائكة و لم تكن هناك حاجة إلى إيجاد عالَم الخِلقة بواسطة عالَم المادّة و خلق البشر و إبليس و سجود الملائكة و تمرّد إبليس، و حركة البشريّة و مسيرتها من مبدئها حيث الاستعداد و القابليّة إلى منتهاها حيث أعلى درجة الكمال و اكتمال الذات في مقابل جنس الملائكة.
كأنّ الله الخالق و العليم و الحكيم قد ذرأ الشيطان و ادّخره لعالم الكثرة هذه و دار الاعتبار و التكليف لكي يتحقّق به اكتمال الخلقة و لعلّه السبب في أكمليّة الإنسان و أفضليّته و كونه أشرف من الملائكة المقرّبين.
إن الشيطان مكلَّف و مأمور من لدن الحقّ تعالى بالاختبار و التحقيق و تمييز الأفراد المُلوَّثين بإرادتهم -التي لا تنفصل عن إرادة الله تعالى، بل هي عين اختياره و نفس إرادته- و الذين اختاروا السبيل المُعوَجّ، المُدَنّسون بعفونة الكثرات المتعفّنة و الذين هم غير مؤهّلين للدخول إلى حرم الأمن و حريم الأمان الإلهيّ، عن الأفراد الصالحين الطاهرين الطيّبين، و مانع اولئكم من أن يخطوا خطوة واحدة في عوالم قرب الحقّ. و مقرّب الذين دخلوا عالم الخلوص و أفنوا عمراً في حبّ الحقّ الأزَل و الأبد، و أضحوا بذلك من المقرَّبين، دفعة واحدة، حتى يتمكّنوا ببساطة و سهولة من التحليق في عوالم الحضرات، و يدخلوا ذلك الحرم المنيع دون مانعٍ أو رادعٍ و يتعطّروا بعبير التوحيد الطيّب و الأريج الفوّاح للعرفان و الفَناء في ذات الحقّ، بعد أن اجتازوا حالة التعفّن الحاصلة بالتوجّه نحو الكثرات و الملوِّثات الإنسانيّة المرهقة و المهلكة و المخرّبة، و بعد أن طرحوا عنهم لباس الخلقة و التعيّن و التقيُّد و خُلِعَت عليهم خِلَع ربّانيّة، و آووا إلى ركن شديد و رَوح و ريحان، حاملين لواء الحمد و التوحيد يوم القيامة.

