أهم محتويات المقالة: - تاريخ المسألة؛ - العلة من وراء خلق الشيطان والشر؛ - الإشكالات الإبليسيّة الستّة التي أوردها شارح الإنجيل وإجابة العلاّمة على جميع الإشكالات المذكورة في قصّة إبليس؛ - إقرار علماء أهل السنة بالعجز والتحير أمام إشكالات الإبليسيّة؛ - أما الشبهة الأولى؛ - أما الشبهة الثانية؛ - الشبهة الثالثة؛ - الشبهة الرابعة؛ - الشبهة الخامسة؛ - أما الشبهة السادسة.
العدل الإلهي ومعضلة الشرور
2أعوذُ بالله منَ الشيطانِ الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين
ولعنةُ الله على أَعدائِهم أجمَعين
أقام الفلاسفة الأدلة العقلية المحكمة على وجود النظام الأحسن في العالم، والله تعالى يباهي بصنعه المتقن في كتابه الكريم فيقول: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ وكذلك يقول: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ وكذلك يقول: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ فنظام الخلقة هو النظام الأحسن والقوام الأتقن، فلا يمكن تخيل نظام أكمل منه.
إلا أنّ عدّة من الإشكالات تطرح كردّ على هذه النظرية، ومن هذه الإشكالات ما أفرزه الوثنيون حيث يعتبرون وجود الشرور في العالم دليلا على النقص و الجهل في الخالق والصانع بدعوى أنّه لو كان هذا النظام قد خلق على أساس الخير فلماذا كلّ هذا الشر؟!
وقد جرّتهم هذه التساؤلات الى الاعتقاد بوجود إله آخر يكون هو المصدر لخلق الشرور والنقائص في العالم، وهذه التساؤلات وغيرها تدعونا الى ضرورة دراسة هذا الأمر لنعرف ما هي فلسفة وجود الشرور والمصائب والكوارث والآلام في الحياة الدنيا.
وفي خضمّ هذا البحث الهام والمعقّد نجد أنّ العلامة الطهراني قدّس سره قد طرح إجابات متعددة على هذه الأسئلة ببيانه السلس الواضح، وبكلمات وأسلوب سهل ممتنع فيقول:
تاريخ المسألة
لعلّ أبرز الإشكالات التي تعترض مسألة توحيد الحقّ تعالى هي الشرور، فتارة تُناقش هذه المسألة من ناحية صفة العدل و أخرى من ناحية حكمته. و ينقل التاريخ لنا أنّ الإيرانيّين كانوا من أوائل الشعوب التي رأت أن حلّ تلك الإشكالات يكمن في وجود مبدأين في عالم الخلقة و التكوين و في عالم صفة الذات الأزليّة القديمة فاعتقدت بالثنويّة في الوجود.
ورد في كتاب «تاريخ الشعوب» ص ٥۱ إلى ٥٤، في القسم الثاني الخاصّ بـ «تاريخ إيران»، الطبعة الحجريّة، بحثاً حول مذهب الإيرانيّين القدماء. و ننقل أدناه تفصيل ذلك البحث:
لقد صنّف الإيرانيّون القدماء، كما بيّنا ذلك في تأريخ الأقوام الآريّة، بادئ ذي بدء الظواهر و القوى الطبيعيّة إلى مجموعتين من الموجودات، خيّرة و شريرة، و اعتقدوا كذلك بوجود صراع دائميّ بين هاتين المجموعتين. و لهذا كانوا يقدّسون النور و النار و الريح و المطر و السماء حيث كانوا ينسبونها إلى المجموعة الاولى، و لكي يأمنوا شرّ الظلمة و الشتاء و الجدب و الأمراض و الكوارث و غير ذلك و التي كانوا يعتقدون بأنّها تنسب إلى المجموعة الثانية فقد كانوا يقومون بتلاوة الأدعية و التعاويذ. و كما قلنا سابقاً فإنّ هذه العقائد مهّدت لوجود الخرافات و انتشار السِّحر و الشعوذة و لهذا أعلن زرادشت حرباً على تلك العقائد.

